دَقَّاتٌ عَتِيقَةٌ عَلَى رَصِيفِ العُمْر
في مساءٍ هادئ، جلس العم سليم على مقعدٍ خشبيٍّ قديم في محطة القطار. كانت المحطة تحتفظ في زواياها برائحة الزمن، وتبدو حجارتها كأنها تحفظ حكايات المسافرين الذين مرّوا من هنا، ثم مضوا إلى وجهاتٍ لا يعرفها أحد.
ارتدى معطفه الصوفي الرمادي، ووضع يده في جيبه يتحسّس ساعة جيب نحاسية تجاوز عمرها ثمانين عامًا. أخرجها برفق، وتأمّل عقاربها الصغيرة وهي تمضي بإيقاعٍ ثابت، لا تستعجل الوصول إلى شيء، ولا تتوقف لتسأل عن وجهتها.
كان صوتها خافتًا، لكنه واضح في سكون المساء: "تك... تاك... تك... تاك".
جلس إلى جواره شابٌّ يحمل حقيبة ظهر ثقيلة. بدا عليه الإرهاق، وكان ينظر إلى هاتفه بين لحظة وأخرى، كأن شيئًا ما يطارده، أو كأن العالم كله ينتظر منه إجابة عاجلة. حرّك قدمه بتوتر، ثم تنهد وهو يحدّق في شاشة هاتفه.
لفتت الساعة النحاسية انتباهه، فمال قليلًا نحو العم سليم، وسأله: "ما هذه الساعة يا عم؟ لم أرَ واحدة مثلها منذ زمن".
ابتسم العم سليم، ورفع الساعة بين أصابعه، وقال: "إنها ساعة قديمة، يا بني، وما زالت تؤدي عملها كما ينبغي".
تأملها الشاب باستغراب، ثم قال: "وكم يبلغ عمرها؟"
أعاد العم سليم النظر إلى عقاربها قبل أن يجيب: "تجاوز عمرها ثمانين عامًا".
اتسعت عينا الشاب، وقال: "ثمانون عامًا، وما زالت تعمل حتى الآن؟ هاتفي لا يصمد يومًا كاملًا دون أن أبحث له عن شاحن!"
ضحك العم سليم بهدوء، وأعاد الساعة إلى كفّه، وقال: "الأشياء القديمة تعلّمنا أحيانًا أن الاستمرار لا يحتاج إلى كل هذا الضجيج".
ابتسم الشاب، ثم عاد إلى هاتفه. مرّت لحظات قبل أن يقول بصوتٍ خافت: "أشعر أنني أركض طوال الوقت، يا عم. أريد أن أنجز أشياء كثيرة، وأصل إلى أماكن أبعد، لكنني كلما حققت شيئًا وجدت أمامي أشياء أخرى. أحيانًا أشعر أنني متأخر، حتى حين لا أعرف عمّن أتأخر".
لم يُجبه العم سليم على الفور. وضع الساعة في راحة يده، وأصغى إلى دقاتها المتتابعة، ثم رفع عينيه نحو الشاب، وسأله: "قل لي يا بني، حين تنظر إلى ساعتك، ماذا ترى؟"
نظر الشاب إلى هاتفه، وقال: "أرى الوقت".
سأله العم سليم: "وهل تعرف دائمًا ماذا تفعل بهذا الوقت؟"
صمت الشاب قليلًا. نظر إلى الشاشة التي امتلأت بالإشعارات، ثم أطفأها ووضع الهاتف في جيبه، وقال: "ليس دائمًا".
حرّك العم سليم رأسه بتفهّم، وقال: "نحن نحسب الساعات والدقائق، ونرتب أيامنا بالمواعيد، ثم ننسى أحيانًا أن نسأل أنفسنا إن كنا نعيش هذه الأيام حقًا. قد يمضي يوم كامل وأنت تركض بين أمور كثيرة، ثم تعود إلى فراشك دون أن تتذكر لحظة واحدة شعرت فيها أنك حاضر تمامًا".
تأمل الشاب الأرض أمامه. كانت كلمات الرجل بسيطة، لكنها لامست شيئًا ظلّ يحاول تجاهله طويلًا.
تابع العم سليم قائلًا: "ليس المطلوب أن تتوقف عن السعي، ولا أن تتخلى عن أحلامك. امضِ نحو ما تريد، واجتهد في بلوغه، لكن لا تجعل الطريق يسرق منك حياتك. فليس كل تأخر خسارة، وليس كل وصول انتصارًا. أحيانًا تصل إلى ما أردت، ثم تكتشف أنك أضعت في الطريق أشياء كان ينبغي أن تصحبك".
رفع الشاب رأسه، وسأل: "وكيف أعرف أنني أسير في الطريق الصحيح؟"
ابتسم العم سليم، وأغلق غطاء الساعة النحاسية، وقال: "حين تستطيع أن تسعى دون أن تفقد نفسك، وأن تنجز دون أن تنسى من تحب، وأن تمنح قلبك بعض السكينة وسط كل ما يشغلك. لا بأس أن تتطلع إلى الغد، لكن لا تعش عمرك كله مؤجلًا إلى يومٍ لم يأتِ بعد".
ساد الصمت بينهما. في الجهة المقابلة، امتدّ خط السكة الحديدية نحو الأفق، ساكنًا تحت ضوء المساء. مرّت نسمة باردة، فشدّ الشاب سترته حول جسده، ثم نظر إلى العم سليم وقد خفّ التوتر عن ملامحه، وقال مبتسمًا: "أظنني كنت بحاجة إلى هذه الجلسة أكثر من حاجتي إلى متابعة هاتفي".
ضحك العم سليم، وقال: "أحيانًا، كل ما نحتاج إليه هو أن نجلس قليلًا، ونترك العالم يمضي دون أن نشعر بأن علينا اللحاق به في كل لحظة".
نهض الشاب، وعدّل حقيبته على كتفيه. وقبل أن يغادر، التفت إلى العم سليم، وقال: "شكرًا لك يا عم. سأحاول أن أتذكر كلامك".
أومأ العم سليم برأسه، ثم عاد إلى مقعده الخشبي. ابتعد الشاب بخطوات أكثر هدوءًا، حتى غاب بين الممرات، تاركًا خلفه سكونًا خفيفًا لم يكن موجودًا حين جلس.
أخرج العم سليم ساعته مرة أخرى، وقرّبها من أذنه. كانت دقاتها تمضي كما كانت منذ بداية المساء: "تك... تاك... تك... تاك".
لم تكن الساعة تعرف شيئًا عن أحلام الشاب، ولا عن مخاوفه، ولا عن الأشياء التي تنتظره في الغد. كانت تقيس مرور اللحظات فحسب، بينما يظل الإنسان وحده مسؤولًا عن المعنى الذي يمنحه لها.
رفع العم سليم عينيه نحو المحطة القديمة. بقي المقعد في مكانه، وبقيت القضبان تمتد إلى البعيد، وبقيت الساعة تدق في يده، كأنها تذكّره بأن العمر يُقاس بما نتركه في نفوسنا ونفوس الآخرين خلال عبورها.
وفي تلك الأمسية، لم يتغير شيء في المحطة؛ غير أن شابًّا غادرها أخفَّ مما جاء، ورجلًا بقي جالسًا يصغي إلى دقاتٍ عتيقة، تعرف كيف تمضي دون أن تستعجل.
خالد طناش شطناوي
@المتابعون
#مجتمع #لآلئ_اليوم #مجالس_مجتمع #منوّعات #أدب

37 مشاهدة