
مقال 3 دقائق للقراءة
المُختبئونَ خلفَ فگر النزاهة
"النزاهة حينَ تتحول إلىٰ قناع للإختباء تُصبحُ أخطر أشكال الزيف؛ فالشرف الحقيقي لا يخشىٰ عتمة الخلوات، بينما الإدعاء لا يَحيا إلاَّ علىٰ أضواء المديح المُزيف".
المُختبئونَ خلفَ فگر النزاهة ليسوا إلا ظلالاً تُمارس طقوس الطهارة المؤطرة بحذر، يقفون عند حواف الحقائق كمن يخشىٰ أن تبتل ثيابه بماء الحقيقة الكاملة، يشترون بالكلمات المُنمقة والرؤىٰ الرصينة ويثبتون عيونهم علىٰ المثالية المُتخيلة كي يشتتوا الأنظار عَنْ هشاشة القواعد التي يرتكزون عليها، إنهم يُدركون جادين أن النزاهة في أعمق صورها ليستْ مُجردَّ معيار أخلاقي بل هي قناع مُريح يتسعُ لكل تصنُْع ويمنح صاحبه حصانة غريبة مِنْ المساءلة، هؤلاء الذين يقضون أعمارهم في صياغة منطق ظاهر يُبرر إستقامتهم، يخفون تحتَ هذا الثوب المصقول خوفاً كبيراً مِنْ السقوط في منطقة التجربة الفعلية حيث يتبين الخيط الأبيض مِنْ الأسود في المحك الحقيقي، تجدهم يتحدثون بلسان الفيلسوف المُنزه عَنْ الهوىٰ ويصدرون الأحكام العقلانية الباردة علىٰ سقطات الآخرين وخطاياهم، دون أن يجرؤوا يوماً علىٰ وضع أفكارهم النبيلة تحتَ مقصلة الواقع أو إختبار إتساقها مع ذواتهم حينَ تغيب أعين الناس، فالنزاهة لديهم ليستْ سلوكاً يصدر عَنْ إمتلاء وصدق، بل هي تقنية لغوية وذهنية تحميهم مِنْ الإنكشاف وتضمن لهم البقاء في بؤرة الثناء والتقدير، يعيشون في حالة طوارئ ذهنية مُستمرة للحفاظ علىٰ الصورة السليمة المُعافاة، يستحضرون الحكمة في غير موضعها ليردموا بها الفجوات العميقة في بنيانهم الداخلي، وحينَ تعاينهم بعين العقل الحصيف ترىٰ أن هذا الإستغراق الفكري الصارم في الدفاع عن الشرف والعدل ما هو إلا وسيلة دفاعية لتغطية إنحيازاتهم المكتومة ومصالحهم التي يتكتمون عليها بمهارة فائقة، إنهم يُدركونَ جيداً كيف يحولون النزاهة مِنْ كائن حي ينبض بالمسؤولية والمُخاطرة إلىٰ درع فولاذي صُلب يمنع أي أختراق لسريرتهم، ويظل هذا الإختباء مُريحاً ومُغرياً لأنه يمنحهم التفوق المعنوي والسطوة الرمزية دون أن يتكلفوا ثمن الإستقامة الحقيقية التي تتطلب في كثير مِنْ الأحيان الشجاعة في مواجهة الذات والإعتراف بالضعف والخطأ، وهكذا يمضي هؤلاء في نسج حكاياتهم النقية وشحن عقولهم بحجج النُبل، مُتناسين أن الحقيقة لا تُحاسب المرء علىٰ ما يدعيه مِنْ نُبل بل علىٰ ما تنطوي عليه سريرته حينَ يخلو بنفسه بعيداً عَنْ صخب الإدعاء ومسرحية العفة؛ المُختبئونَ خلفَ فگر النزاهة هم الصُنّاع المهرة لرماد اليقين، يقفون في منتصفِ المسافة بينَ النور والظُلمة ليسَ بحثاً عَنْ الحق بل هرباً مِنْ كشفيته الحاسمة، يتخذون مِنْ المنطق درعاً ومن البلاغة نقاباً، يغزلون خيوط الإستقامة بحرص شديد كي لا تظهر التصدُعاتْ التي تشهد علىٰ هشاشة الداخل، وهم في جوهرهم يُمارسون نوعاً ناعماً مِنْ الطُغيان الرمزي؛ إذ يُحولون المبادئ إلىٰ مقاصل يقطعون بها رقاب الخصوم في حينَ يستخدمونها كعكازات يستندون عليها حينَ تهتز أرضهم الشخصية، إن إدراك هذه الفئة يتطلب عيناً تُفكك البُنية لا الصورة، وترىٰ الشروخ العميقة خلفَ الطلاء المصقول، فالنزاهة الحقيقية ليستْ نصاً يُتلىٰ ولا موقعاً يُحتل بل هي مُجاهدة مُستمرة ومواجهة غير مشروطة مع الذات، وتظل محاولة التخفي خلفَ المفهوم مُحاولة بائسة للتملص مِنْ إنسانية الإنسان المغروسة في الخطأ والمحاولة، حيثُ تنكشف الأقنعة مُجردَّ أن تتوقف الموسيقى وتغيب حشود المُصفقين، ليبقىٰ الفكر ناصعاً عارياً لا يحمي إلا مَنْ كان صادقاً مع سريرته قبل علنه. أتمنى أن تكون هذه الخاتمة المركزية قد أتمت نصِ الأدبي الفلسفي بالشكل الذي تطمحونَ إليهِ گـقُـراء؛
