تعاور الحروف (استعمال حرف جر مكان الآخر)
مسألة حلول حرف جر محل حرف جر آخر من أدق مسائل النحو والبلاغة، وقد اختلف فيها أئمة البصرة والكوفة في التوجيه والضابط:
مذهب الكوفيين (نيابة الحروف / التعاقب):
يجيزون نيابة الحروف بعضها عن بعض اتساعاً ومجازاً، وضابطهم في ذلك: صحة المعنى بالقرينة، وألا يؤدي الإحلال إلى لبس أو تناقض في الدلالة. فيرون أن الحرف نفسه يؤدي معنى الحرف الآخر مباشرة (كأن تكون «عن» بمعنى «بعد»، أو «في» بمعنى «على»).
مذهب البصريين (التضمين وبقاء الأصل):
يرى جمهور البصريين أن الأصل عدم نيابة الحروف؛ لأن لكل حرف معنى وضعياً أصيلاً يمتنع زواله، والضابط عندهم ينقسم إلى طريقين:
التضمين النحوي (وهو مذهب المحققين كابن جني وابن هشام): ألا يُحمل الحرف على غير معناه، بل يُشرَب الفعل أو المصدر السابق معنى فعلٍ آخر يلائمه الحرف المذكور، ليجمع التركيب بين معنيين. ضابطه: وجود مناسبة دلالية بين الفعل المذكور والفعل المقدر، مع ظهور فائدة بلاغية زائدة.
مثال: قول الله تعالى: (عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ)؛ لم يقل البصريون إن «الباء» بمعنى «من»، بل ضُمّن «يشرب» معنى «يَرْوَى»؛ لأن الرّيَّ يتعدى بالباء، فأفاد التركيب الشرب مع كمال الارتواء معاً.
الحمل على المعنى المجازي للحرف نفسه: كاستعمال «في» للظرفية المجازية (مثل: (وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ)، حيث لم تنب «في» عن «على»، بل شُبّه تمكن المصلوب وتشبثه بالجذع بتمكن المظروف داخل ظرفه).
الضوابط العامة لقبول هذا الاستعمال عند عموم أهل اللغة:
السماع المعتد به: أن يرد نظيره في كلام العرب المحتج بلغتهم أو في القرآن الكريم.
القرينة المانعة من اللبس: وجود دلالة في السياق ترشد إلى المعنى المقصود بوضوح.
التناسب الدلالي: وجود صلة أو تقارب في المعنى بين الحرفين أو بين الفعل الأصلي والفعل المتضمَّن، فلا يسوغ وضع حرف مكان آخر بلا مناسبة فكرية أو لغوية.
الفائدة البلاغية: ألا يكون التناوب عبثاً، بل لإيجاز معنيين في لفظ واحد أو لتصوير هيئة بيانية خاصة.
#مجتمع
34