
مقال دقيقتان للقراءة
أنتَ/أنتِ
«الأرواحُ تُزهرُ بالقبولِ والتسَامُح، وتَموتُ تحتَ مَظَلّةِ الإتّهَامِ ومَقَايِيسِ الأَدَاء.»
«العلاقات الإنسانية ملاذٌ للقبول والسكينة وليستْ حلبةً لتقييم الأداء؛ فحينَ تُحاكَم الأرواح بلغة المقاييس وأصابع الإتهام ، نَخسَر عافيتنا النفسية وننسىٰ أن جوهر الإنسانية يكمنُ في التعاطف والقبول غير المشروط.» يبدو أن الوجود الإنساني المُعاصر قد تحول إلىٰ ساحة مُجهدة يتعرض فيها المرء لقصف نفسي دائم لا ينقطع، حيثُ تتجه أصابع الإتهام المُباشرة وغير المسبُوقة لتمزق طمأنينة الروح وتستنزف ما تبقىٰ مِنْ طاقة البقاء الهادئ، وكأننا نعيش في مُحاكمة لا تنتهي جلساتها ولا تمنح المتهم حق الدفاع عَنْ هشاشته الفطرية. إن هذا العبء الثقيل لا يفرق بينَ رَجُلْ وإمرأة ، بل يطال كلا الجنسين بقسوة متساوية ولكن بطرق مختلفة، إذ يتشرب الجميع تلك المعايير المُستحدثة والمُضللة التي تحولت إلىٰ مؤشرات أداء رئيسية للحياة تُقاس بها القيمة الذاتية والقدرة علىٰ الإستمرار ، وكأننا بتنّا سلعاً أو آلات تخضع لتقييم مُستمر يحدد مدىٰ صلاحيتها للحب والقبول. لقد تسللتْ هذه المؤشرات الخاطئة إلىٰ صميم العلاقات الإنسانية بكل تفاصيلها العميقة واليومية، فتسللتْ إلىٰ الصداقات، والعلاقات العاطفية، والروابط الأسرية، دون أن يقصد أحد إحداث هذا الأذىٰ المُدمر، بل حدث ذلك بطريقة عفوية وتراكمية جعلت مِنْ كل علاقة ميزان حساسية مُفرط يتربصُ بالأخطاء ويُضخم الهفوات. يُطالب الرجل بأن يكون قمة في الصلابة والقدرة علىٰ الإنتاج وتحمل المسؤوليات الجَسّام دون أن يُسمح له بقطرة ضعف أو لحظة إنهيار ، وحينَ يتردد أو يتعثر، تُوجه له إتهامات بالعجز والتقصير وكأن إنسانيته قد أُلغيت لصالح دوره الوظيفي في الحياة، وفي المُقابل تُطالبُ المرأة بأن تجمع بينَ النقيضين ببراعة مستحيلة؛ أن تكون مُستقلة قوية ومُنافسة ضارية وفي الوقت ذاته حانية، مُطيعة، ومُحافظة علىٰ دفء البيت والمشاعر، فإذا مالت كفة علىٰ حساب الأخرىٰ وُجهت لها إتهامات مُباشرة بالتقصير أو الفشل الشخصي. هكذا نجدُ أنفسنا نتحرك في فضاء واسع مِنْ الإتهامات المُتبادلة والمُستمرة التي تُغذيها تلك المقاييس المغلوطة التي تخلط بينَ النجاح العملي والنجاح الوجودي، وتساوي بينَ الإنتاجية وقيمة الكائن البشري. إن إستمرارية هذا القصف النفسي طوال هذه المدة وبلا توقف قد خلق أرواحاً مُنهكة لَمْ تعد تبحثُ عَنْ السعادة بقدر ما تبحثُ عَنْ مُجردَّ الهُدنة، وعنْ مساحة آمنة لا يُطالبها فيها أحد بأن تثبت جدارتها بالعيش. حينَ تتحول العلاقات إلىٰ حلبة لأختبار الأداء البشري، وحينَ يُحاكم القلب بمنطق الأرقام والمعايير، تفقدُ الحياة معناها الأبسط والأجمل، وهو العفوية والقبول غير المشروط؛ إن الخلاص الحقيقي يبدأ حينَ نُدرك أننا لسنا مشاريع إستثمارية قابلة للقياس، بل بشر نُتقنُ الخطأ ونتعلم منه، وأن التوقف عَنْ جلدِ الذات والآخرين بتلك الإتهامات القاسية هو الخطوة الأولىٰ نحو إعادة ترميم ما دمره هذا الهوس بالمقاييس الوهمية، لعلنا نجدُ بعد طول عناء طريقاً إلىٰ السكينة التي لا تحتاج إلىٰ دليل أداء أو شهادة إثبات.
#إيالاڤيا #مجتمع
