لوحة "البؤس" الشهيرة بعيون آدم الجنتين
"البؤس" لكريستوبال روخاس
تراجيديا لونيّة شُيِّدت بألوان الفاجعة حيث لا تقف العين أمام قماشٍ مدهون بل أمام مشهد مسبوك بمبضع الفنان التشريحي ورؤية الأديب الذي يرى في العتمة حكاية انطفاء الروح البشرية في منظور ضوئيٍّ خانق
فالإضاءة هنا لا تأتي من مصدر نور سماويٍّ أو نافذة أمل ، بل تنبثق بوهنٍ شاحب من جهة اليسار لتسقط بقسوة وتعرّي جسد المرأة المسجّى بثوبها وغطائها المصنوع من الأبيض الجيري المائل للزرقة الكامدة؛ وهو لون الموت السريري الذي خلّفه السلّ، بحيث يتناقض هذا البياض الشاحب والمقفر مع البني المحروق والأخضر الزيتوني العفن الذي يعمّ الجدران، ليصنع الفنان تضاداً لونيّاً يُبرز جثمانها كبؤرة للعدم وسط فضاء يقطر رطوبة وبؤسا اجتماعيّا
في هذا المأوى الشحيح الذي يتحدث كل تفصيل فيه بصوت الأنين، يتجلى التشريح الحركي القاسي للزوج المذهول وهو يجلس بـكتفين منحنيين تحت ثقلٍ طبقي ونفسي غير مرئي، وببنطالٍ ممزقٍ عند الركبة يروي فصول الشقاء المضني وبملامحه الغارقة في الظل الممتد من شعره الكثيف، وعيناه لا تنظران إلى وجه امرأته، بل تحدقان في الفراغ و إلى الزاوية التي سقطت فيها كل أسلحته، بينما تمتد ذراعه في خطٍّ مستقيم ومنكسر في آنٍ واحد، ليرتخي كفه فوق معصمها الهزيل؛ وهي لفتةٌ تشكيلية بارعة تختزل المسافة بين الحيّ والميت، حيث تلمس أصابعه الخشنة لحما باردا، في إدراكٍ مرير بأن النبض قد غادر هذا الجسد إلى غير رجعة.!
ويكتمل هذا الوجع بالسرير الحديدي المتآكل، بـقضبانه الصدئة ومرتبته المهترئة الخالية من الوارف، ليغدو هو مسرح الجريمة التي ارتكبها الفقر بحق الكرامة الإنسانية؛ فلا هو يوفر للميت راحة ولا للحي عزاء، بينما تمتد الألواح الأرضية المكسورة بخطوطها الطولية نحو عمق اللوحة، كأنها دروبٌ قادت العائلة نحو قاع الشقاء.!
الفنان روخاس هنا لا يتلاعب بالفرشاة ليصنع مشهدا دراميا صاخبا للجمهور بل يضع حزنه العاري في صورته الجوهرية صامتا، ثقيلا، وجافاً.
وكأنما كُتبت هذه اللوحة بمدادٍ من وجيب رئة الفنان المعتلة نفسه، فجاءت الألوان مطابقة لخرابه الداخلي المحتوم؛ حيث مزج كآبة أيامه بزرقة الكفن، وعجن يأس المهمشين بسواد الغرفة المنسية، وترك لنا لوحةً تقف أمامها الأبدان شاحبة، كلما أدركنا أن أقسى ما في البؤس هو صمته الذي يلي الفراق.!
وفي النهاية، لا تقف لوحة "البؤس" لكريستوبال روخاس كمجرد توثيق لمرضٍ أو رصدٍ لفقر عابر، بل هي صرخة تشكيلية خالدة ضد القسوة الإنسانية والطبقية ولقد نجح الفنان روخاس بكل المقاييس في تحويل فاجعته الشخصية والاجتماعية إلى أثر فني عصيّ على النسيان، لتظل هذه اللوحة نموذجا فذا لكيف يمكن للفن أن يمنح الألم صوتا، وللمهمشين خلودا، حتى بعد أن يصمت النبض وتنطفئ الأنوار
/آدم الجنتين/
#مجتمع
#أدب
#فن
#منوعات

10