من أدب الرسائل الفرح الذي منحني البكاء
عزيزي، ربما عليَّ الآن أن أعتذر، عذرًا إن كنت حزينة دومًا، تعيسة على طول الخط... لا أعتقد ولا أؤمن بالغد الأفضل... سوداوية... كما تخبرني دومًا.
عذرًا لأني تسببت بالكثير من الفوضى لعالمك الرتيب الثابت الوتيرة، ومزيد من الحزن غير المسبب دون قصد.
عذرًا لكوني تلك التي لا تحب بكل ما بي من عيوب ومساوئ تكرهها، بكل كلماتي المستفزة لعقلك وأسلوبي البسيط غير المفهوم لروحك المعقدة التركيب... بكل قصصي المنكسرة وحياتي التي لا تستطيع أنت أن تستوعب شكل قصورها من أكواخها.. حدائقها من قفارها.. لأنك فقط لم ترد أن ترى الحقيقة. عذرًا لكوني أنا، أنا التي هي ليست أنت كي تفهمني.
وأنا لن أمنحك مفتاحًا أو خيطًا تتبعه، فمن أراد فعل، ومن أحب صبر ومنح الأعذار وتفهم واحتوى، أو هكذا أعتقد دومًا، ربما هو خطئي لأنني أضع مفاهيم مغلوطة عن الأشياء.
حينما كنت صغيرة، وضعت أربعة خطوط للسعادة. ولكم كانت نظرتي قاصرة ساذجة حينها!
حينما اعتقدت أن الرجال يستطيعون منح السعادة، تعلمت بمرور الزمن والتجارب والانهزامات أنهم يحصلون عليها منا فقط، وأنهم يفتقدون القدرة على المنح، وأن علينا انتزاع الحياة التي هي حق مشروع لنا من بين أصابعهم المتشبثة بأعناقنا...
أيضًا كنت أظن أن القلوب الطيبة تتلاقى وتأتلف، وأن الطيور على أشكالها تقع كما قالوا لنا منذ الصغر، لكن الدنيا أبت وقررت أن تمنحني دروسًا علمية لفهم درس هام، وهو أن الأضداد تنجذب والأشباه تتنافر.
فصرت أخشى الاقتراب لعلمي أنني لن أقترب إلا من متنافر عني.
كنت مقتنعة تمام الاقتناع بالغد الأفضل؛ كلما مرت على عيني الدموع كففتها بمنديل الأمل قائلة: "غدًا يمحى الألم وتزرع الزهور على طريقي، وتنير الأقمار على الجانبين...".
ربما كنت أملك اليقين الذي فقدته الآن، اليقين في كل شيء والإيمان بنفسي.
أذكر يومًا ما حين قال لي أحدهم: "فلان يستحوذ على مكان هام لنا دون حق"، قلت له بيقين: "الله سيزيله من الطريق"، ضحك بسخرية حينها، وتحولت السخرية إلى ذهول حينما اختفى المعرقل في اليوم التالي وجميع الأيام على غير المعتاد.
أذكر أيضًا أنني كنت ألقب بالتي تعثر على الأشياء. ويبدو أنني عثرت لهم على كل مفقوداتهم ولم أعثر على نفسي، أو ربما فقدتها... دون عودة!
عزيزي
في مرحلة ما من حياتي اقتنعت تمامًا أن كل محبة تمنح يقابلها خير، لكنني تعلمت أن منح المحبة في بعض الأوقات مضر جدًّا، كما أنه يحث بعض الأشخاص على مقابلة المحبة بالحقد والكراهية... ومع ذلك، ما زلت أمنح المحبة وأتلقى الطعنات في صمت.
أظنني ابتُليت بمحبين لم أحبهم أبدًا، وأحباب لم يحبوني قط...
عزيزي
عذرًا إذا كنت أسترسل الآن في حديث سخيف آخر فأمنحك ألمًا برأسك المثقل بالعمل والذكريات والآخرين، والأخريات، فلم يحدث أن تحدثت معك كما أريد من قبل، ولم يحدث أن رويت لك قصصي السخيفة الصغيرة دون توقف.
ولم أستطع يومًا أن أخبرك بأسراري كلها وأفتح لك صناديقي المغلقة وأبكي على كتفك لتربت علي، فلقد فعلتها قبل ذلك وتعلمت أن كل الصناديق تفتح لتصبح انكسارات ومذلة فيما بعد، وأن كل الدموع على الكتف تتحول خناجر للطعن في ظهري.
عزيزي...
عذرًا لأن حزني ليس مشكلتك، ولا أنت سبب في شيء حدث سابقًا، ربما ستقتلني فيما بعد لكنك لم تكن سببًا في كل هذا الحزن بالإجمال، إنه أنا، أنا من لم يستطع بعد الالتئام...
من لم يستطع بعد مسامحة نفسه...
لم يستطع بعد إيجاد طريق للسعادة بين الغيم.
أعلم أن كلامي مثقل بالدموع، لكن ما باليد حيلة؛ هذا أنا، وربما يومًا ما ستستطيع فهم ما بين السطور، وتفسير كل الحكايات البسيطة، وتفكيك كل تلك الصراعات المحزنة بيننا، والتي من دون داعٍ... لكن على ما أعتقد سيكون ذلك بعد النهاية بكثير، حينما يصبح الفهم بلا فائدة.
وربما يومًا ما سأستطيع إفهامك بنفسي كيف يصبح الشخص وحيدًا جدًّا فاقدًا للثقة في الجميع وفي الدنيا، يائسًا جدًّا للحد الذي لا يجد فيه فائدة لمشاركة الآخرين حزنه أو انتظار الغد... أو حتى الابتسامة والتظاهر بالفرح....
ربما يومًا ما ستعلم أني اعتدت تلقيبك بيني وبين قلبي بالفرح، لكني لا أعلم كيف منحني الفرح فجأة كل هذا البكاء.
#نهاد_كراره
#فصول_مشتتة
6 مشاهدة