بين الذڪاء الاصطناعي والعقل البشري
كم يتعبني حقا
أن أرى عالم الذكاء يُمدَح، ومن يجتهد بحرفه يُوضَع في كفّة التجاهل.
هنا أيضا طغى الذكاء على كتّابنا، وغدا الكل شاعرا وأديبا ومثقفا، حتى باتت الألقاب أيسر من استحقاقها، وصار الادعاء أسبق من الموهبة، والمظهر أرجح من الجوهر.
يراسل أحدهم الذكاء ليصوغ له نصا في ثوانٍ، ثم يتباهى به أمام شاعر أمضى عقودا يحاور الحرف، وينتقي كلماته بعناية، ويعيد صياغة عباراته، ويختبر وقعها على وجدانه، حتى يزدان على وسائد الورق قصيدٌ تأجّج بإحساسه، ونبض بتجربته، وحمل من روحه ما لا تمنحه قوالب اللغة وحدها.
أيُّ مفارقة هذه!
أن يقف من استعار الكلمات في موضع المبدع، ويُترك من أفنى عمره في تهذيب لغته ومصادقة الحرف على هامش المشهد، كأن أعوام المحاولة والمراجعة والتأمل لا تساوي كبسة زر، وكأن ما يُصاغ في ثوانٍ يحق له أن يزاحم ما نضج في وجدان صاحبه عبر السنين، دون أن يسأل أحد عن صاحب الفكرة، أو أصل النص، أو حقيقة التجربة التي يتكئ عليها.
ولست أعني أن الاستعانة بالذكاء عيبٌ في ذاتها، ولا أن كل من استخدمه عاجز عن الإبداع؛ إنما العتب على من يتوارى خلفه، ويستعير منه صوتا ليس صوته، ثم ينسب إلى موهبته ما لم يصنعه، ويطلب من الآخرين أن يصفقوا له بوصفه شاعرا، بينما هو لم يخض مع الحرف معركة الاختيار، ولم يختبر الكلمات على محكّ إحساسه، ولم يعرف كم من عبارةٍ عصيّة أرهقت كاتبها قبل أن تستقر في موضعها.
لقد عرفنا قديما من يسطو على النصوص وينسبها إلى نفسه، واليوم تبدّلت الوسيلة، وبقي السؤال: أيكون الإبداع في امتلاك النص، أم في امتلاك القدرة على خلقه؟
بالأمس كانت السرقة تحتاج إلى عينٍ تبحث ويدٍ تنقل، واليوم قد تكفي كبسة زر ليُصاغ نصٌّ مكتمل الملامح، تُنتقى فيه المفردات، وتُنسج فيه الصور، وتُرصّع عباراته بما يثير الإعجاب. لكن سهولة الحصول على النص لا تعني بالضرورة امتلاك أدواته، كما أن القدرة على استعراض البيان لا تعني امتلاك ناصيته.
إن البيان ليس كلماتٍ تتدفق بأسمى المعاني فحسب، ولا صورا تتعانق في ثوب بديع؛ إنه وعيٌ بما نقول، وإحساسٌ بما نكتب، وقدرةٌ على الاختيار والتمييز، وصوتٌ تتشكل ملامحه عبر القراءة والتجربة والخطأ والمراجعة. وليس كل نص جميل دليلا على موهبة من نشره، مثلما أن كل نص استعان صاحبه فيه بأداة لا يفقد بالضرورة أصالته.
ما يؤلمني حقا ليس أن تتطور الأدوات، ولا أن تتسع وسائل الكتابة، بل أن تتبدل موازين التقدير، فيُحتفى بالنص دون اكتراث بمصدره، وتُمنح الألقاب بلا تمحيص، ويُترك الكاتب الذي يصنع لغته بجهده رهين التجاهل، بينما تتقدم إلى الواجهة أسماءٌ قد يكون بريقها أسبق من تجربتها.
فلا تجعلوا سهولة الكتابة مقياسا للإبداع، ولا سرعة الإنتاج دليلا على التفوق، ولا كثرة التصفيق شهادةً على الموهبة.
فالآلة قد تساعد على صياغة الكلمات، لكنها لا تمنح صاحبها تلقائيا تاريخا من المعاناة مع اللغة، ولا تجعل التجربة المستعارة تجربةً معاشة، ولا تحوّل النص المنقول إلى صوت أصيل لمجرد أن اسما جديدا وُضع تحته.
وللكاتب الذي أمضى عمره في محاورة الحرف حقٌّ في أن يُقرأ، وللنص الأصيل حقٌّ في أن يُنسب إلى صاحبه، وللقارئ حقٌّ في أن يعرف ما يقرأ، وللإبداع حقٌّ في ميزانٍ لا ترجّحه سرعة الوصول، بل صدق التجربة وأصالة الصوت.
فليس العيب أن نستعين بالذكاء لنكتب، بل أن نستعين به لنبدو ما لسنا عليه؛ وليس الخطر أن تتقدم الآلة، بل أن يتراجع تقدير الإنسان الذي أفنى عمره في صناعة صوته.
قد تغيرت موازين الابداع، وانسحب الشعور من القلب إلى خوارزمية الذكاء،
فما قيمة أن ينتصر النص في أعين الناس، إن كان صاحبه قد خسر حقه في أن يكون صوته هو الذي يتحدث؟
د. ريميتا علي
#ريميتــا_علي_جزائريـہ_وآفتخر 🇩🇿❤️
#مجتمع #مجتمع_عام #لآلئ_اليوم #شعر_مداد #نثر
#بين_الذكاء_الاصطناعي_والعقل_البشري

1 مشاركة5 مشاهدة