
مقال دقيقتان للقراءة
الموتْ المؤقت
"الموت المؤقت ليسَ توقفاً للجسد، بل غفوة للروح في معبد المألوف؛ ووحدها شجاعة الحرية تُحيلُ كل إنطفاءٍ صغير إلىٰ مخاضٍ دائم للبعث واليقظة."
إن الوجود الإنساني في جوهره ليسَ سوىٰ رحلة قلقة تتأرجحُ بحذرٍ بينَ نقيضين أزليين الوجود والعدم وحينَ نتأمل طبيعة هذا الكائن البشري نكتشف أن الموتَ ليسَ ذلك الحدث الأخير البعيد الذي يضع أوزار الحياة عند نقطة النهاية بل هو تجربة مُتجذرة في صُلب الحياة اليومية يختبرها الإنسان مراراً وتكراراً فيما يمكنُ أن نطلق عليه الموت المؤقت إن هذا الموتْ المُتكرر ليسَ توقفاً عضوياً للجسد بل هو إنطفاء روحي ونفسي يعتريه الإنسان حينَ تبهتُ معاني الحياة وتتآكل مقاصدها وحينَ يجدُ الفرد نفسه غارقاً في روتين قاتل يفرغ أيامه مِنْ كل عمق وجودي حقيقي فالفيلسوف الوجودي يرىٰ أن الإنسان محكوم بأن يخلُّق ماهيته بنفسه عبر إختياراته الواعية وحريته المسؤولة ولكن ما إن يتنازل عَنْ هذه الحرية ويستسلم للجاهز والمألوف حتىٰ يدخل في غيبوبة وجودية تشبه الموتَ المؤقت حيثُ يفقد القدرة علىٰ الإدراك الأصيل ويتحول إلىٰ مُجردَّ صدىٰ للآخرين كما وصفهم هايدغر في حديثه عَنْ الإنسان الجماعي الذي يذوب في النمط السائد ضارباً عرض الحائط بفرادته ووجوده الأصيل وهُنا تتجلىٰ أعمق تداعيات الموتَ المؤقت إذ إنه يعطل طاقة الإنسان الخلاقة ويُحيله إلىٰ كائن عاطل عَنْ المعنىٰ يعيش علىٰ حافة الحياة دونَ أن يُلامس جوهرها فالموتُ المؤقت يختلف عَنْ الموتِ الحقيقي في كون صاحبه واعياً بشكل مُشوه بنفاذ وقته لكنه عاجز عَنْ الفعل أو التغيير وكأنه محبوس خلفَ جدارٍ زجاجي يرىٰ العالم ولا يتفاعل معه وينبض قلبه دون أن تنبض روحه إن هذه الحالة المُتمثلة في الإنفصال عَنْ الذات وعنْ العالم تؤدي إلىٰ إغتراب وجودي خانق يفقد فيه الإنسان بوصلته الداخلية وتتلاشىٰ أمامه الأسئلة الكبرىٰ التي تمنح الوجود الإنساني بهمومهِ وأسئلته طعماً حقيقياً وحينَ يعتاد الإنسان علىٰ هذا الموتْ الصغير فإنه يقتل تدريجياً ذلك الإمكان الأصيل الكامن فيه للتحرر والتحقق لتصبح أيامه مُجردَّ تكرار رتيب لفعل البقاء البحت لا العيش الحق غير أن الفلسفة الوجودية لا تقف عند حدود هذا التشخيص المُظلم بل ترىٰ في وعي الإنسان بموته المؤقت فرصة نادرة لليقظة فالقلق الذي يرافق هذه الحالات هو المنبه الأعظم الذي يزعزع طمأنينة الوهم ويدفع الفرد نحو مواجهة حقيقتها مُجرداً مِنْ كل أغطية الزيف والخداع وعندما يدركُ الإنسان أنه يموت كل يوم ألف موتٍ صغير بسبب خياراته البائسة وإستسلامه للعدمية فإنه يمتلك شجاعة الإنتفاض علىٰ واقعه الميت ليخلق مِنْ رُكام الخذلان إنبعاثاً جديداً يرممُ فيه صلته بروحه وبالعالم مِنْ حوله فلا سبيل للخلاص مِنْ هذا الموتِ المؤقت إلا بالعودة إلىٰ الذات وإعتلاء صهوة الحرية عبر الإلتزام الخالص والمسؤولية الكاملة عَنْ كل نّفس ينبضه الإنسان وكل خطوة يخطوها في دروب هذا الوجود العبثي الذي يتربصُ به العدم مِنْ كل جانب ليبقىٰ التحدي الأكبر للإنسان هو كيف يُحيلُ كل موتٍ مؤقت يمر به إلىٰ مخاض دائم للولادة والتحقق المُستمر.
#إيالاڤيا #مجتمع
