رسائل الشوق
رسائل الشوق
منذ غبتَ، وأنا أكتب إليك رسائل لا تحتاج إلى طوابع؛ أضعها في بريد الروح، وأترك للشوق مهمّة البحث عن عنوانٍ لا تعرفه الخرائط.
غيابك لم يُفرغ الأماكن من أهلها، بل غيّر معناها؛ صار للمساء صمتٌ أطول، وللقهوة مذاقٌ ناقص، وللأغاني مقاطعُ أخشى بلوغ نهاياتها. وحده الوقت يمضي كأن شيئًا لم يحدث، بينما قلبي ما زال واقفًا عند آخر لحظةٍ جمعتنا.
يا غائبي، تعلّمتُ أن الشوق ليس أن تفتقد وجهًا، بل أن تفتقد نفسك التي كانت تشرق في حضوره؛ وأن بعض الأشخاص لا يرحلون من حياتنا تمامًا، بل يتركون في أرواحنا جهةً جديدة، نظلّ نهتدي إليها مهما ابتعدت بنا الطرق.
أكتب إليك لا لأستعيد الأمس، فالأمس لا يعود، بل لأصون جماله من أن يفسده الحزن. فما كلُّ غيابٍ نهاية، ولا كلُّ انتظارٍ هزيمة؛ أحيانًا يكون الشوق الطريقة التي يحفظ بها القلب ما عجز الزمن عن الاحتفاظ به.
وفي آخر كل رسالة، أترك سطرًا أبيض؛ لا أكتب فيه اسمًا، ولا أضع موعدًا. أتركه للغد، فلعلّ الحياة تخبّئ لنا ما لا تستطيع الذاكرة تخيّله.
ثم أدركتُ أن رسائلي لم تعد تبحث عن طريقٍ إليك؛ لقد صارت في داخلي مدينةً من الحنين، لكل ذكرى فيها نافذة، ولكل غائب مصباح، ولكل كلمةٍ لم تُقَل صدى لا ينام.
أما رسالتي الأخيرة، فسأرفعها دعاءً إلى السماء؛ فثمة كلماتٌ تعجز عن بلوغ أصحابها، لكنها لا تضيع عند الله.
سلامٌ على الذين يسكنون أرواحنا وإن غابوا، وعلى الرسائل التي لم تصل، وعلى الشوق الذي لم يجد بابًا، فصار قلبًا يكتب، وروحًا تتذكّر، وضوءًا يقاوم عتمة المسافات.
دكتور مفلح شحادة شحادة كاتب وشاعر وناقد المانيا
9