
مقال 5 دقائق للقراءة
عملية نقيل خلال امتحان الباكلوريا صيف 1984
عبد الله شوكا.
حكاية عملية نقيل خلال امتحان الدورة الثانية للباكلوريا صيف 1984 بثانوية الرازي بسطات.
هي سيرة ذاتية نحكي من خلالها جميع الذكريات التي واكبت مرحلة دراستنا بحلوها ومرها، نحكيها كما وقعت وبصدق وأمانة، وما اتذكره انني سبق ورسبت في الباكلوريا سنتان متتاليتان 1982 بدورتيها الاولى والثانية، ثم سنة 1983 بدورتيها الاولى والثانية. وما دمت كنت اجتاز الامتحانات في سطات، ثم أعود إلى الدوار في منطقة الرحامنة بيت الوالدين ومسقط الرأس، فكنت أجد صعوبة كبيرة عندما كنت اعود من سطات الى البادية مكسور الوجدان وراسبا في امتحانات الباكلوريا، كنت أجد صعوبة في اقناع والدي ووالدتي ومعهم سكان الدوار والقبيلة، لكونهم لا يعرفون الظروف التي ترافق مرحلة الدراسة وصعوبة الامتحانات، وما دمت تعود اليهم راسبا الى الدوار والقبيلة كل مرة، فكلهم كانوا يحسبونك كسولا وغير مهتم وغير مبالي بدراستك.
وكل ما أتذكره جيدا انه عندما رسبت في امتحان الباكلوريا خلال السنة الثانية على التوالي سنة 1983، فقد غادرت دراستي في ثانوية ابن عباد وعدت لاستقر في باديتنا مسقط الرأس بالرحامنة قرب نهر ام الربيع، والتي تبعد عن مدينة سطات بمسافة 52 كيلومتر. قضيت تلك السنة في البادية، وكنت لا اتوقف عن زيارة مدينة سطات مدينة ذكرياتي، وكنت اتحسس نشر أخبار les concours في الجرائد اليومية، وكنت بين الفينة والأخرى اقوم بإطلالة على دروسي واضعا في مخيلتي تقديم ملفي كمترشح حر لإجراء امتحان الباكلوريا صيف سنة 1984.
ولما لم تتبق على امتحان الباكلوريا صيف 1984 الا ثلاثة اشهر، اصررت على حفظ الدروس، وكانت طبيعة منطقتنا بالرحامنة تساعدني على ذلك، شساعة الفضاء الطبيعي وهدوء المكان، ولو انني كنت أجد صعوبة في حفظ جميع دروس التاريخ والجغرافية، قرابة 28 درسا في التاريخ، و29 درسا في مادة الجغرافيا، وكنت اقوم بعملية "التميزيا" وانت وزهرك، وكم كان اصدقائي الطلبة يصيبون في مرات عديدة، وكأنهم كانوا يعلمون بالدروس التي ستنزل في امتحان الباكلوريا.
ولما اقترب موعد امتحان الباكلوريا صيف سنة 1984، توجهت إلى العمالة التابعة لها منطقتنا وهي عمالة قلعة السراغنة لملء ملف الضرائب الذي كان لونه احمر، ولما اكملت ملء الملف توجهت لسطات، ووضعت لدى نيابة التعليم ملف ترشيحي لاجتياز امتحان الباكلوريا صيف 1984.
وفعلا اجتزت الدورة الأولى لامتحان الباكلوريا في ثانوية الرازي شهر يونيو سنة 1984 مع المترشحين الاحرار، وكنت واثقا انني اجبت على معظم الأسئلة، لكن عند تعليق ارقام الناجحين، والمتأهلين للدورة الثانية، رأيت رقمي ضمن لوحة المتأهلين لاجتياز امتحان الدورة الثانية، وقلت حينئذ "يا إلهي ما هذا الحظ العاثر الذي يلازمني"، وفي تلك اللحظة أقسمت ان اقوم بعملية نقيل وقلت في نفسي "اللي ليها ليها".
العزم على عملية نقيل خلال امتحان الدورة الثانية لامتحان الباكلوريا صيف 1984.
وقبل إجراء الامتحان، انتشر خبر تنزيل درس "غاندي" في التاريخ بين الطلبة، واتذكر ان الدورة الثانية جرت موازاة مع حلول شهر رمضان صيف 1984، وكان اليوم قائضا في مدينة سطات ذلك اليوم، والليلة قبل التوجه إلى ثانوية الرازي، قمت بانتشال بعض دروس التاريخ والجغرافيا من الدفاتر، ووضعتهم في جواربي، وبما أنني سمعت انتشار خبر تنزيل درس غاندي في التاريخ، فقط وضعته بمفرده في جواربي قرب الكعب، واتذكر انني دخلت ذلك الصباح الى القسم بثانوية الرازي وجواربي منتفختان مع تكدس اوراق الدروس التي قمت بانتشالها من الدفاتر، ولو ان المفتشين بحثوا في رجلي ذلك اليوم، لظهرت لهم جواربي منتفخة بتكدس الدروس فيها.
صحة حدس الطلبة بتنزيل درس غاندي في مادة التاريخ.
ونحن في قسم الامتحان، تم توزيع اوراق الامتحان في مادة التاريخ، وفعلا تم تنزيل درس غاندي في اسئلة مادة التاريخ، وكانت تقوم بحراستنا استاذة واستاذان، وكل ما قمت به انني ناديت على الاستاذة وقلت لها، اختي، هذه هي السنة الثالثة التي اجتاز فيها امتحانات الباكلوريا، واطلب منك مساعدتي بتركي انقل درس غاندي، فإنني اتوفر عليه في جواربي، توجهت الاستاذة عند أحد الاستاذين اللذين كانا يقومان بحراستنا، وتحدثت معه في أذنه قرب السبورة، نظر إلي الاستاذ وهو يشير لي برأسه وكأنه يقول لي "توكل على الله"، اتكأت نحو قدمي، وأخذت درس غاندي من جواربي، ولحظة فتح باب قسم الامتحان، يا الهي أنهم المفتشون يجوبون أقسام الامتحان، رجلان وامرأة، حاولت إخفاء درس غاندي تحت ابطي، لكنه بقي منتفخا، وكنت حينها في الطاولة الثالثة، ومن حسن الحظ لم يراني المفتشون حيث غادروا قسم الامتحان، أخذت درس غاندي مرة أخرى من تحت ملابسي، وكتبته حرفيا.
ولما انتهيت من الكتابة، جاء عندي استاذ واخذ مني درس غاندي، كاد قلبي ان يتوقف، لكوني ظننته سيقدمه الى الإدارة ويتم طردي من الامتحان، فما كان من هذا الاستاذ الطيب الا تقديم درس غاندي للصديق عبد الله النوحي ابن حي السماعلة، شكرت ذلك الاستاذ الطيب وغادرت القسم.
ولما تم تعليق ارقام الناجحين في الدورة الثانية، كان وقت وضع لوائح النتائج على بوابة ثانوية الرازي قبل ساعة من وقت الإفطار خلال شهر رمضان، ولما شاهدت رقمي معلقا ضمن الناجحين، كدت أموت امام ثانوية الرازي بسبب الفرحة والضغط وأثر الصيام، والحرارة الشديدة ذلك اليوم.
وعمت هستيريا الفرح عند والدي وسكان البادية.
ولما عدت الى البادية، وبعد مرور أيام كنت اجري مقابلة في كرة القدم، وانا في الملعب، جاءني المنادي كي التحق بخيمتنا الغير بعيدة عن ملعب المباراة، والسبب ان اخي الأكبر عاد من العمل من محطة القطار لمشرع بن عبو على دراجته النارية، وأن الموظفة بالبريد بقرية مشرع بن عبو ناولته ثلاثة اظرفة رسائل في إسمي، ولما اطلعت على الرسائل الثلاثة وجدتها :
- رسالة تخص نتيجة النجاح في الباكلوريا.
- رسالة تخص مباراة سلك الشرطة ومكان المباراة ثانوية أو مدرسة حليمة السعدية بمدينة الجديدة.
- رسالة من مدير تأمينات الضمان العام المغربي (زوريخ) الفرنسي الذي سبق والتقيته صدفة على الطريق بواسطة عملية اوطوسطوب قرب باديتنا، رسالة يدعوني من خلالها الالتحاق فورا للعمل بشركة التأمينات التي يسيرها ويديرها في الدار البيضاء، كان ذلك خلال تاريخ شهر يوليوز 1984.
وبدون تفكير، قمت باختيار الالتحاق للعمل بشركة التأمينات التي كان يديرها الرئيس المدير العام الفرنسي الطيب الذكر بمدينة الدار البيضاء.
شركة تأمينات الضمان العام المغربي (زوريخ) التي عملت فيها مستخدما منذ شهر يوليوز 1984 حتى تاريخ احالتي على التقاعد بتاريخ 15 فبراير 2019.
انتهى
