جرسٌ من وجع… ووطنٌ من ضياء
تعثّرَ الضوءُ عند بابِ كنيسة،
وانحنى جرسٌ...
كأنّ النحاسَ الذي طالما أيقظَ الصبحَ
أيقظتهُ هذه المرّة
فاجعةُ المساء.
وكانت الكركُ تفتحُ نوافذَها للسكينة،
وتخبّئُ في دفءِ البيوت
حكاياتِ العائدين،
إلى أن شقّتْ رصاصةُ الغدر
ثوبَ الطمأنينة،
وتركتْ على عتباتِ الصلاة
سؤالًا لا ينام:
كيف يرفعُ إنسانٌ قلبَه إلى السماء،
ثمّ يمدُّ إنسانٌ آخرُ يدَه
ليحرمَه حقَّ الحياة؟
يا قاتلَ الأبرياء،
أيُّ طريقٍ إلى الله
يمرُّ فوقَ أجسادِ عباده؟
وأيُّ نورٍ يُولدُ من رصاصة،
وأيُّ صلاةٍ تستقيمُ
إذا صارَ الدمُ جوابًا
عن سؤالِ الرحمة؟
في تلك اللحظة،
لم تبكِ الكنيسةُ وحدها؛
بكتْ نوافذُ البيوت،
وأصغتِ المآذنُ إلى الأجراس،
ومدَّ الوطنُ قلبَه
كي لا يسقطَ الحزنُ من يدِ أحد.
هنا الكركُ...
هنا الصخرُ الذي لا يقسو
حين يلمسُ وجعَ الإنسان،
وهنا الأرضُ التي تعرفُ
أنَّ اختلافَ الأبواب
لا يغيّرُ دفءَ البيوت،
وأنَّ الأجراسَ والمآذن
إذا اجتمعتْ على الرحمة
صارَ الوطنُ صلاةً واحدة.
سنحفظُ للراحلين أسماءَهم
من غبارِ الأرقام،
ونحملُ أحلامَهم التي باغتَها الرحيل،
ونتركُ للعدالةِ أن تأخذَ مجراها،
وللرحمةِ أن تفتحَ ما أغلقهُ الفقد،
وللأردنّ أن يظلَّ بيتًا
لا يستأذنُ فيه الإنسانُ
كي يكونَ إنسانًا.
لن نمنحَ القاتلَ بقيةَ رصاصته،
فلن نزرعَ الكراهيةَ في قلبِ جرحِنا،
ولن نسمحَ للفتنة
أن ترثَ ما خلّفهُ الموت؛
فالأوطانُ لا تنتصرُ حين تردُّ الوجعَ وجعًا،
بل حين تمنعُ الجرحَ
من أن يصيرَ وطنًا آخرَ للضغينة.
سلامٌ على الأرواحِ التي رحلت،
وعلى الجرحى وهم يتشبّثونَ بالخلاص،
وعلى القلوبِ التي ستظلُّ تنتظرُ
طرقاتٍ لن تعود.
وإذا انحنى الجرسُ من ثقلِ الفاجعة،
فإنّ في هذه الأرضِ قلبًا
سيحملهُ عنّه...
حتى يعودَ للصوتِ صوته،
وللصباحِ صباحُه،
وللوطنِ وجهُه الذي لا يكرههُ الحزن.
د. مفلح شحادة شحادة
كاتب وشاعر وناقد – ألمانيا
3