
مقال دقيقتان للقراءة
تراجيديا الورق(Pamphlets)
«حينَ تُطوى الثورات في كُتيباتٍ أنيقة، يُصبح الحبر أصفاداً ناعمةً تُخدّر الغضب وتصون عرش الطُغاة»
إنها تراجيديا الورق المطوي علىٰ ذاته في جيوب المعاطف المُعتمة، ذلك الخطاب المُهادن الذي يُراد له أن يُختزل في مساحة مُسطرة بعناية لتوزيعها عند أبواب المصانع أو علىٰ أرصفة المترو، كمن يوزع فتافيت الخبز علىٰ طيرٍ أُسكت صوته بالذعر، مطوياتٌ صُممت بعناية هندسية لكي لا تُقلق جفن السُلطة ولا توقظُ عصب الشارع، نصوصٌ بلا أنياب وُضعت لتُفرِغ شُحنة الغضب في قوالب لغوية باهتة تكتفي بالرجاء وتستجدي الفتات مِنْ طاولة الجلاد، مطوية تعريفية بالوجع كأن الألم بحاجة إلىٰ تعريف وكأن القهر إلتباس إداري يمكنُ توضيحه بكُتيب إرشادي مِنْ إثنتي عشرة صفحة ملونة، هكذا يُدار الإستحمار الجمعي وتُفرغ المطالب الكبرىٰ مِنْ دمها لتتحول إلىٰ مُجردَّ شعارات مطبوعة علىٰ ورق مصقول يسهل تمزيقه أو بلعه مع أول وجبة قمع، إنها حراسة أمنية ناعمة تقفُ بينَ الإنسان وحقه الأصيل في الصُراخ، تطوي الأحلام في طيات ثلاثية كأنها وثيقة تأمين علىٰ عبودية مقبولة، يكتبون فيها عَنْ حقوق الإنسان بلغة الموظف المُرتجف وبحبر لا يتجاوز هامش المسموح به، مطوية تلو مطوية لتدجين الوعي وخصي السؤال وجعل المُطالبة بالكرامة تبدو كإختراقٍ للنظام العام أو كجريمة إدارية تستوجبُ الاعذار، هكذا يُروض الغضب في كُراسات الإرشاد الإستهلاكي للحرية المزعومة، يختزلون دماء الشهداء وتاريخ الأنين في بنود مُقتضبة تتسع لها جيب سترة باهتة، كأن الإنسان مُجردَّ عميل مُحتمل لشركة الخدمات الإنسانية وكأن الحرية بضاعة معروضة في واجهة زجاجية يُمنعُ لمسها إلا بقفازات مِنْ خنوع، إنها أدلجة السكون وتخدير العصب العام، منشورات تُراد لها أن تكون صدىً خافتاً لصوتٍ مُعلق علىٰ حبال المشنقة كي لا يزعج نوم الطُغاة، مطويات تتسول الحق كمن يمدُ يده في سوق الرقيق يسأل عَنْ جودة السلاسل، تكتفي بالشكوى الهامشية وتتجنب الجوهر لأن الجوهر عارٍ وموجع ويهددُ مصالح الطابعين والموزعين والباحثين عَنْ بطاقات شكر في دفاتر السلامة، هكذا تُجهض الثورات في مهدها حينَ تتحول إلىٰ قُصاصات ورق أنيقة تائهة بينَ أصابع خائفة، مطويات تُحاصرُ الإنسان داخل أُطر مرسومة بدقة لئلا يخطو خطوةً واحدة نحو تخوم الدهشة والرفض المُطلق، كأن الكرامة تدوين قانوني في دليل مُستخدم وليستْ صرخة وجودية تُزلزل عروش الصمت، إنها مؤامرة الحبر المُبرر الذي يغسل وجه الجريمة بعبارات مُنمقة عَنْ الإصلاح التدريجي والتدرج في نيل الحقوق وكأن الإنسان وُلِد بتمهل، مطويات تقفُ سداً منيعاً أمام إندفاعة الدم نحو الحقيقة، لأنها تَعِد بالفرج المؤجل وتبيعُ الوهم علىٰ أرصفة الإنتظار الطويل، مطويات بلا عنوان لأنها تخشىٰ أسمها وبلا فواصل لأنها لا تحتمل وقفة تأمل واحدة تفضحُ عجزها وتكشفُ زيف بضاعتها الرخيصة في سوق المُزايدات علىٰ دماء المقهورين.
#إيالاڤيا #مجتمع
