
مقال دقيقتان للقراءة
أزمة الدولة الحديثة في العالم العربي والإسلامي،
أزمة الدولة الحديثة في العالم العربي والإسلامي، حيث وجدت نفسها ممزقة بين سرديتين إيديولوجيتين متطرفتين: خطاب ديني متشدد يسعى إلى فرض وصاية أخلاقية وقانونية تستند إلى تأويل أحادي للدين، وخطاب علماني متطرف يلجأ أحياناً إلى الإقصاء الشامل للمجال الروحي وتقييد الحريات العامة بحجة التحديث القسري.
وفيما يلي تفكيك فلسفي لهذا الصراع من خلال مفاهيم السلطة، والحرية، وطبيعة الدولة:
1. الدولة بين مطرقة الوصاية وسندان الإقصاء
في الفلسفة السياسية التقليدية، وُجدت الدولة لضمان الأمن والعدالة وتحقيق المصلحة العامة (كما عند توماس هوبز أو ابن خلدون). لكن في سياق الصراع بين العلمانيين والإسلاميين، تحولت الدولة من مؤسسة محايدة لتدبير الشأن العام إلى "غنيمة إيديولوجية" تتجاذبها الأطراف.
- الطرف الأول (الراديكالية الدينية): ينظر إلى الدولة كامتداد للخلافة أو النموذج الديني التاريخي، حيث تذوب الحدود بين الفضاء العام والخاص، ويُختزل الفرد في صفة "المؤمن" الخاضع لمنظومة تشريعية مغلقة، مما يلغي الاستقلالية الفردية وحرية الضمير.
- الطرف الثاني (الراديكالية العلمانية): يتبنى فهماً إقصائياً للدين، محاولاً سلخه عن المجال العام قسراً، متأثراً أحياناً بنماذج غربية متطرفة (كاليعقوبية الفرنسية الصارمة)، مما يؤدي إلى قمع الهويات الثقافية والدينية للمجتمعات، وتقييد حرية التعبير والاعتقاد تحت شعار حماية "مدنية الدولة".
2. اغتيال حرية الفرد
التقاء الطرفين المتطرفين يكمن في جوهر أوتوقراطي (استبدادي) مشترك؛ فكلا الخطابين ينظر إلى الفرد باعتباره "قصراً" أو كائناً غير واجبي الاستقلال، بحاجة دائماً إلى من يوجهه ويوصي عليه:
- الخطاب الديني المتطرف يصادر حرية الفرد باسم المقدس.
- الخطاب العلماني المتطرف يصادر حرية الفرد باسم الحداثة أو العقلانية القسرية.
في كلا الحالتين، يُجرد الفرد من حريته الأساسية في الاختيار والمسؤولية الأخلاقية، وتصبح الدولة أداة للضبط والسيطرة لا فضاءً لتحقيق التحرر الإنساني.
3. نحو أفق فلسفي بديل: الدولة الحيادية والمواطنة
تجاوز هذا الصراع المدمر يتطلب، فلسفياً، إعادة الاعتبار لمفهوم "الدولة الحيادية" أو ما يُعرف بدولة المواطنة القانونية:
- فصل الإيديولوجيا عن شرعية الدولة: بحيث لا تُختزل الدولة في عقيدة دينية معينة، ولا تُسخّر لمحاربة الدين والموروث الثقافي للمجتمع.
- الحرية كقيمة عليا: اعتبار الفرد غاية في حد ذاته (على النحو الكانطي)، وتوفير فضاءات عمومية تعددية تضمن حرية الاعتقاد والتعبير والممارسات الثقافية دون وصاية أو إكراه.
إن ضياع الدولة بين هذين الخطابين هو أزمة وعي وفهم لطبيعة العقد الاجتماعي؛ فالدولة العادلة لا تقوم على إلغاء الآخر، بل على تدبير الاختلاف في إطار سيادة القانون وحماية الحريات الفردية والجماعية.
