حين تقاوم رغبتك... أنت تمنح نفسك فرصة للتغيير
هل مررت يومًا بلحظةٍ شعرت فيها بأنك على وشك العودة إلى عادةٍ قررت التخلّص منها؟ ربما مددت يدك إلى هاتفك دون حاجة، أو وجدت نفسك تبحث عن طعامٍ لا تحتاج إليه، أو أجّلت عملًا تعرف أن تأجيله سيزيد أعباءك، في تلك اللحظة، يبدو التغيير أصعب مما تخيّلت؛ فهناك رغبة تدفعك إلى ما اعتدت عليه، وصوتٌ آخر يذكّرك بما قررت أن تكون عليه، وبين الرغبة والاختيار، تنشأ مساحة صغيرة، لكنها قد تكون بداية تحوّل كبير في حياتك.
فهل يمكن للحظات التي تقاوم فيها عاداتك أن تساعد دماغك على التعلّم والتغيير؟
السرّ يكمن في مرونة الدماغ
يمتلك الدماغ قدرةً مدهشة على التكيّف مع التعلّم والتجارب المتكررة، وهي القدرة التي تُعرف باسم «المرونة العصبية». فالاتصالات بين الخلايا العصبية ليست ثابتة على حالٍ واحدة؛ بل يمكن أن تتغير استجابةً لما نمارسه ونتعلّمه ونختبره باستمرار.
ولهذا، فإن العادات التي نكرّرها كثيرًا قد تصبح استجاباتٍ تلقائية لمواقف معينة، فقد يرتبط الشعور بالملل بتصفّح الهاتف، أو يرتبط التوتر بتناول الطعام، أو يصبح تأجيل المهام ردّ فعلٍ معتادًا كلما واجهنا عملًا صعبًا.
لكن ما تعلّمناه ليس بالضرورة قدرًا لا يمكن تغييره؛ إذ يمكننا، بالتدريب والتكرار، أن نتعلّم استجاباتٍ مختلفة، وأن نبني عاداتٍ جديدة تحلّ تدريجيًا محلّ بعض عاداتنا القديمة.
كيف تبدأ لحظة التغيير؟
لنفترض أنك اعتدت على الإمساك بهاتفك كلما شعرت بالملل. في كل مرة يتسلّل إليك هذا الشعور، تجد يدك تمتد إليه تلقائيًا، وكأن الأمر يحدث دون قرار منك.
في المرة القادمة، جرّب أن تتوقف قليلًا، وأن تلاحظ رغبتك دون أن تستجيب لها فورًا، اسأل نفسك: هل أحتاج فعلًا إلى الهاتف، أم أنني أبحث عن شيء يشغلني فحسب؟ ثم اختر نشاطًا آخر؛ كالمشي قليلًا، أو قراءة صفحة من كتاب، أو إنجاز مهمة صغيرة.
قد لا تنجح في كل مرة، وقد تجد أن الرغبة لا تزال قوية، لكنك حين تكرّر هذا التدريب تمنح نفسك فرصةً لتعلّم استجابة مختلفة، بدلًا من الانقياد التلقائي إلى السلوك المعتاد.
والأمر نفسه ينطبق على التسويف، والعادات الغذائية، وغيرهما من السلوكيات اليومية؛ فالتغيير لا يتطلب دائمًا قرارًا ضخمًا، بل قد يبدأ باختيار صغير يتكرر حتى يصبح أسهل مع مرور الوقت.
لكن ثمة حقيقة علمية ينبغي ألّا نغفل عنها
ليس صحيحًا أن شدة الرغبة أو قوة المشاعر تجعل الدماغ يتغيّر بالضرورة بصورة أسرع، ولا أن مقاومة الرغبة في ذروتها تضمن حدوث تغيير عصبي أكبر، بل إن الانفعال الشديد قد يجعل ضبط السلوك أكثر صعوبة لدى بعض الأشخاص.
كذلك، لا يعني كل تعثّر أنك عدت إلى نقطة البداية، ولا يعني نجاحك مرة واحدة أن العادة القديمة قد اختفت نهائيًا. فتغيير العادات عملية تتأثر بالتكرار، والبيئة المحيطة، ومستوى التوتر، وطبيعة السلوك نفسه، وقد تحتاج إلى وقتٍ وصبر.
لا تجعل التغيير معركةً تخوضها ضد نفسك، بل تدريبًا تتعلّم منه.
ابدأ بخطوة صغيرة تستطيع الاستمرار عليها، وابتعد قدر الإمكان عن المواقف التي تدفعك إلى عادتك القديمة، واجعل السلوك الجديد سهلًا وواضحًا. وإذا تعثّرت، فلا تحوّل التعثّر إلى مبرر للاستسلام؛ بل حاول أن تفهم ما الذي أعادك إلى سلوكك السابق، وما الذي يمكنك تغييره في المحاولة القادمة.
تذكّر أن الإرادة مهمة، لكنها ليست كل شيء؛ فبناء العادات يحتاج أيضًا إلى بيئة مناسبة، وخطة واقعية، وتكرارٍ يمنح السلوك الجديد فرصةً ليترسّخ.
فربما لا تكمن أهمية اللحظة الصعبة في أنها تختبر قدرتك على المقاومة فحسب، بل في أنها تمنحك فرصةً لتختار، ولو مرة واحدة، طريقًا مختلفًا عن الطريق الذي اعتدت عليه.
ومع تكرار تلك الاختيارات الصغيرة، قد تجد نفسك تقترب، خطوةً بعد أخرى، من الحياة التي تريد أن تعيشها.

7