سراب الحنين
لم تكن دمشق يوماً حلماً مؤجلاً عشت على أمل تحقيقه،
بل كنت هناك، في الشمال السوري، مستغرقة في بناء حياتي، وتطوير ذاتي، وأصنع تفاصيلي يوماً بعد يوم، دون أن يخطر ببالي يوما أنني سآتي إلى مدينتي .
لكن، حين تبدلت الظروف وفوجئت بنفسي في دمشق لأول مرة،
دخلتها وقلبي ينبض بلهفة وترقب لشعور الحنين الذي طالما قراءت عنه في الكتب؛
كنت أمشي بين شوارعها، ألتفت يميناً وشمالاً، وأنا أنتظر بصبر أن يغمرني هذا الحنين، والانتماء، والألفة.
كنت أنتظر أن يباغتني الإحساس تلقائياً ويهز صدري،
بينما كانت المدينة تمور بحركة صاخبة مجنونة من حولي؛ سيارات تمرق مسرعة كالسِّهام فتخلف وراءها لافح هواء عاصف يضرب وجهي ، وحشود بشرية تتدفق في الأروقة، تتدافع وتتلاطم كأمواج بحر لا يهدأ.
كنت أُبطئ خطواتي عمداً، أجرّ قدميّ فوق الأرصفة، وأمد أصابعي لأتحسس الأبواب الخشبية العتيقة، كمن يفتش عن نبضة سرية مخبأة في عروق الخشب العتيق،
نبضة واحدة تهمس في أذني: "أنتِ هنا في مدينتكِ".
لكن، مع كل خطوة أخطوها في هذا الانتظار الطويل، كان الحجر يزداد قسوة وبرودة تحت راحتيّ.
مسحت بكفي على جدار قرميدي قديم، فما اهتزت في قلبي ذرة واحدة،
ولم يعلق بأصابعي سوى غبار خشن، جاف، ومتراكم، بلا روح.
أصوات الباعة الذين ينادون بأعلى حناجرهم، جلبة الأسواق المزدحمة، قرع الأقدام على البلاط، ونبرات المارة الحادة الممتزجة بهرير المحركات وأبواق السيارات المتقاطعة،
كلها كانت تضرب مسامعي كأصوات غريبة، ضوضاء جوفاء لا صلة لي بها.
أغمضت عيني وتنشقت هواء الأزقة الضيقة ، لعلي أستنشق رائحة الألفة أو طيف ياسمين قديم، فلم يدخل صدري سوى غبار ثقيل وبارد، خدش حنجرتي.
وجدت نفسي أسير كالشبح في قلب المدينة التي من المفترض أن تكون موطني،
أمشي وأنتظر بلهفة دون جدوى، بينما الحقيقة القاسية تصفع وجهي مع كل رصيف صلب أطأه؛ أنا غريبة تماماً في هذه البلاد، وذلك الشعور الدافئ المحسوس الذي انتظرته..
لم يكن له أي أثر أو وجود.
في تلك اللحظة، أدركتُ المفارقة الكبرى وفهمتُ أخيراً سرّ هذه الغربة:
لم أجد ذلك الشعور لأنني، وإن وُلدتُ في دمشق، إلا أنني كبرتُ بعيدةً عنها.
كبرتُ هناك حيث تفاصيلي، وصوت كفاحي، وحيث انطبعت خطوات نضجي على أرصفةٍ أخرى حرثتها بيديّ.
فالمدن لا تمنح حنينها وأصواتها الدافئة لأهلها،
بل لمن كبرت ملامحهم مع تقلب فصولها،
ولمن تآكلت أحذيتهم في حاراتها وسقوها من أيام عمرهم؛
ودمشق غريبةٌ عني اليوم، لأن سنوات من حياتي مضت بعيدة عنها.
لذلك أنا اليوم غريبة في مدينتي .
@المتابعون #مجتمع #مجتمع_عام #لآلئ_اليوم #أدب
40 مشاهدة