العائلة الأبدية
في قديم الزمان، وتحت قبة سماء واسعة، كانت تعيش عائلة فريدة من نوعها، تتكون من خمسة أفراد، كل واحد منهم يمثل ركناً أساسياً من أركان هذا الكون الجميل.
كانت الشمس هي الأم الدافئة، تفتح عينيها مع كل صباح باكر لترسل خيوطها الذهبية توقظ بها الكون، وتمنح الدفء لكل كائن حي. وإلى جوارها كان الجبل الأشم يقف شامخاً كالأب الوجيه، يمد رأسه نحو الغيوم، ثابتاً لا تحركه الرياح، يحرس الأرض ويحمي أسرارها العميقة في صخوره القوية.
أما الأرض الحنون، فكانت الأخت الطيبة التي تحتضن الجميع. تفرش بساطها الأخضر الواسع، وتزرع فيه الحياة، وتقدم ثمارها وخيراتها لكل من يطرق بابها بلا تفريق أو منّة. وإلى جانبها كان البحر الأزرق الواسع، يمد يديه الطويلتين ليعانق الشواطئ، يغني أغنيته السرمدية التي لا تنقطع، وينشر نسماته المنعشة ليرطب بها قلوب الجميع.
وفي الليل، عندما تعود الشمس لتستريح، كان القمر الحالم يطل بوجوهه المضيئة، فيرتدي عباءة الفضة الخالصة، ويجلس على عرش الظلام ليحرس نوم الأرض، ويتبادل مع البحر أسرار العشاق والمسافرين، تاركاً النجوم ترقص حوله في حبور.
ذات يوم، تساءل جبل الصخر بغرور خفي: "لماذا يقصدني الجميع لأجل القوة والثبات، ولماذا تتعب الأرض طوال الوقت في العطاء؟ أما كان أجمل لو جلسنا لنستريح؟"
ابتسم البحر وهو يداعب أمواجه، وقال بصوت هادئ: "يا صديقي العالي، نحن لسنا سوى أجزاء لجسد واحد. لولا دفء الشمس ما نبت الزهر على ظهر الأرض، ولولا ثباتك أنت ما استقر قرار الوديان، ولولا مائي ما روي العطش، ولولا سحر القمر في الليل ما وجد التعبان راحة لباله. إن جمالنا يكمن في اتحادنا لا في فرقتنا."
أدرك الجبل حينها الحكمة، وهز رأسه موافقاً، وعادت عائلة الطبيعة لتنسج لوحتها اليومية في تناغم عجيب؛ فالشمس تشرق لتعطي، والأرض تحتضن لتنبت، والجبل يحمي ليثبت، والبحر يرطب ليروي، والقمر يضيء ليهدئ. وهكذا ظلت الأرض ومَن عليها ينعمون بدفء هذا الحب الأبدي الذي لا ينتهي.