
مقال دقيقة للقراءة
قيد الطين وولادة الإنسان
حين تقفُ على عتبةِ المدى، مخلوعاً من خفة الأرواح، مثقلاً بطين التكوين، يأتيك صوت "تقيوس" كصرخةٍ في ليلِ الوجود: «أنتَ لم تزل تنكرُ أنك كائن بشري...». أتعلم ما يعنيه أن تكون بشرياً في حضرةِ الزمان والمكان؟ إنه ذلك الشقاء العذب، والبرزخ الطويل بين رغبةٍ تطال النجوم وقدمين ترتطمان بالحصى. طالما ظننتُ أن التحرر هو خلع قميص الجسد والفرار من إحداثيات الجغرافيا والتاريخ، فإذا بالحرية الحقة تبدأ من النقطة التي طالما هربتُ منها: الاعتراف بأنني لستُ ملاكاً هائماً، بل حكاية ترابٍ نفخ فيها البقاء. يقول تقيوس: «ولن تتحرر إلا إذا ارتقيت لتكون إنساناً»... آه، كم هي بعيدة شقة ما بين الكائن البشري والإنسان! فالأول يتخبط في عرين الغريزة والخوف، يعجن خطيئته بدموعه ويستجدي الغفران على عتبات الغيب، يبحث عن ماءٍ مقدّس يغسل عنه أدران الأيام، كأن الطهارة تُستجدى لا تُنتزع. أما "الإنسان"؛ فهو ذاك الذي تصالح مع عجزه، وهبط إلى قاع جيناته الأولى ليعيد قراءة النص الإلهي المكتوب في خلاياه. أليس التحرر الحق هو ألا تعود هارباً من جنسك البشري ، بل أن تقبله بكل ندوبِهِ وتناقضاته؟ أن تدرك أن الخطيئة ليست سوى محاولة خرقاء للوصول إلى النور، وأن المغفرة الحقيقية تكمن في صلحك الأبدي مع ضعفك. حين تعود إلى جيناتك الأولى —حيث الطين نقيّاً لم تلوثه أوهام الخلود— حينها فقط، تدرك أنك لست بحاجة لمغادرة الزمان والمكان، بل بحاجة لأن تملأهما بوعيك، لتصير أنت الزمان، وتصير أنت المكان
