ويحدث ألا يحدث شيء
رمادُ المدفأةِ الخاملُ يُساومُ جمرَ الليلِ الباردِ على دفءٍ مُرجأٍ، وعلى الطاولةِ المنسيّةِ يتثاءبُ فنجانٌ نسيَ فمَهُ الأوّلَ، تجرُّ اللحظاتُ الثقيلةُ أذيالَها المتربةَ في دهاليزِ الانتظارِ الطويل.
ذاكرةٌ متصدّعةٌ تُحدِّقُ في ما يتفلّتُ منها، تُحصي على عتبةِ المحوِ خساراتٍ صغيرةً، وأعمارًا ما زالتْ ترتدي أحذيةَ الطين، بينما غدٌ يُرقِّعُ جلدَهُ بإبرةٍ استعارها من ضلعِ الغياب.
ظلٌّ نحيلٌ يخلعُ صاحبَهُ ويعلِّقُهُ على مسمارٍ أعور، فيما النورُ يلعقُ نصفَ سؤالٍ قبل أن يبتلعَ لسانَهُ.
ساعةٌ معلّقةٌ على الجدارِ تقتاتُ من عقاربِها المعدنيةِ، تنثرُ ثوانيَها الرتيبةَ فوقَ أرضٍ تُبدِّلُ فصولَها كما تُبدِّلُ الأفاعي جلودَها.
صدىً يخلعُ حنجرتَهُ عند بابِ الممرِّ، ومرآةٌ تُجرِّبُ وجوهًا فائضةً عن الحاجة، ثم تكسرُ آخرَها في عينِ العابر.
معنًى يُبدِّلُ أقنعتَهُ كلما ضاقتْ به وجوهُ التأويل، ثم يسلخُ اسمَهُ، ويُطلقُهُ ليرعى في مراعي الصمت.
وثنٌ ينبتُ مقلوبًا من سقفِ الفكرة، يحلبُ الشكَّ من عظامِ اليقين، وكلما أغمضتِ الحقيقةُ عينًا، أنبتَ في الأخرى فمًا جديدًا.
وأخيرًا... يخرجُ الصمتُ من جيبِ العدم، يُجرِّبُ مقاسَ العالم، ثم يُعيدُهُ مطويًّا إلى اللاشيء.
ويحدثُ ألّا يحدثَ شيء.
أحمد عادل
