الهاتف الذكي ونحن
في يد كل منا اليوم مستطيلٌ سحري، لا يتجاوز حجمه راحة الكف، خفيف الوزن، لكنه يحمل في جوفه ثقل العالم بأسره.
إنه الهاتف الذكي، تلك النافذة البراقة المطلة على آفاق المعرفة، والتي تحولت شيئاً فشيئاً إلى زنزانة غير منظورة، قيّدنا بها أيدينا وأعمارنا وطاب لنا ذلك القيد.
حين ظهرت هذه الأجهزة للمرة الأولى، بدت وسيلة لتقريب البعيد واختصار المسافات. صفقنا طويلاً لهذه التقنية الجديدة التي منحتنا مفاتيح الكون. لكننا لم ننتبه إلى أن النعمة حين تتفلت من الاعتدال، تنقلب إلى نقمة وخيمة العواقب.
اليوم، لم يعد الهاتف أداة نستخدمها وقت الحاجة، بل أصبح هو السيد ونحن الأتباع. ما إن تفتح الأعين صباحاً حتى تمتد الأكف بلا وعي نحو الشاشة المضيئة، لتتلقى جرعة أولية من الأخبار، والرسائل، والومضات البصرية التي تسرق هدوء الصباح وتزرع في النفس صخباً مبكراً لا ينتهي.
إن أكبر خطر يمارسه هذا الصندوق الصغير ليس إهدار الوقت فحسب، بل اغتيال الحواس البشرية
العيون: التي كانت تتأمل غروب الشمس بتمعن، أو ترتشف جمال التفاصيل في وجوه المارة، باتت مسامير مثبتة أمام بقعة ضوء زرقاء تلتهم بؤبؤ العين وتطفئ بريقها.
الآذان: التي طالما طربت لخرير الماء أو حفيف الشجر، أدمنت صخب الإشعارات ونغمات التنبيه الرتيبة.
والعقول: التي أُصيبت بكسل معرفي مريع، فلم تعد بحاجة للحفظ أو التأمل، فالإجابة حاضرة على بُعد نقرة إصبع، والذاكرة البشرية تتآكل بفعل الاعتماد المطلق على ذاكرة إلكترونية صماء.
لقد تحولنا من كائنات حية تتنفس الواقع، إلى شبه "روبوتات البيولوجية"، التي تتنقل من شاشة إلى شاشة، ومن تطبيق إلى تطبيق، في دوامة لا تعرف السكون.
ومن المفارقات المرعبة التي جلبها الهاتف، أنه بقدر ما ربط الملايين عبر الكابلات والأقمار الصناعية، بقدر ما قطع حبل المودة الحقيقي بين البشر.
اجلس في أي مقهى عام، وتأمل الطاولات حولك: عائلات كاملة تجلس على مائدة واحدة، لكن لا أحد ينظر في وجه الآخر. الأجساد مجتمعة في مكان واحد، والأرواح مشتتة في عوالم افتراضية بعيدة. لقد صنع الهاتف تواصلاً وهمياً على حساب التواصل الحميم الدافئ، فنحن نعرف أخبار الغرباء في أصقاع الأرض، ونجهل ما يحزن أو يفرح من يجلس جوارنا على الأريكة نفسها.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في التقنية ذاتها، فهي في النهاية صنيعة عقل بشري مبدع، بل يكمن في استسلامنا اللذيذ لها. الهاتف خادم أمين، لكنه سيد جائر إذا تركنا له مقود الحياة.
ربما حان الوقت لنعيد النظر في هذه العلاقة المتباينة، ونبدأ بإغلاق الشاشات لنفتح عيون القلوب، ونستعيد بهجة اللحظة الحاضرة بلا وسيط رقمي. فلن تموت الحداثة إن غبنا عن الإنترنت ساعات قليلة، لكن إنسانيتنا هي وحدها التي قد تذوب، إن ظللنا أسرى لهذا المنتج الزجاجي المضيء.

18