منفى
صنعتُكِ منفى
صنعتُكِ منفى..
كي لا تلتقطَ المدنُ ملامحي من عابرٍ،
وأقمتُ في مخدعِكِ
كغريبٍ يخلعُ ذاكرتهُ عند الباب،
ويُعلِّقُ على مسمارِ الغياب
آخرَ هيئةٍ له.
كلُّ الطرقِ التي نجوتُ منها
كانت تنحني لتشربَ من مسامِّكِ،
كأنَّ الجهاتِ الأربعَ
دارتْ حولَ خصرِكِ حتى أُغميَ عليها،
وتكسَّرَ الشمالُ في انحناءةٍ منكِ،
فنامتِ البوصلةُ في يدِ التيهِ،
ولم يعدْ للضياعِ عنوان.
خبَّأتُ قلبي في حقائبِ الرحيل،
لكنَّهُ كان يثقبُ قماشَها كلَّ ليلةٍ
ليصغي إلى جلدِكِ
وهو يُملي على العتمةِ أنفاسَه،
وإلى طفولةِ نهدٍ
لم تُكملْ دهشةَ الميلاد،
يتلمَّسُ بينَ أزرارِ الصمتِ
موضعَ قبلةٍ
تتساقطُ عندها عقاربُ الزمن.
لم تكوني وطنًا..
فالأوطانُ تُقاسُ بما تُحكمُ إغلاقَه،
أمَّا أنتِ،
فكنتِ قارةً من رغبةٍ ورخام،
أبحرُ في تضاريسِكِ
كمن يمحو البحرَ بيديه،
وأغرقُ كلَّما لاحَ لي القاعُ،
كأنَّ النجاةَ فخٌّ
نصبتْهُ لي رغبتُكِ.
صنعتُكِ منفى..
ثم اكتشفتُ أنَّ المنفى كان يتدرَّبُ على ملامحي،
وأنَّني، منذُ وطئتُكِ،
أفقدُ اسمي خليةً خلية،
وأُعلِّقُ ظلِّي على مصابيحِكِ السرية،
وأتركُ روحي تتلمَّسُ الشقوقَ
التي خبَّأتِ فيها الليل،
تقتفي أثرَ رعشةٍ
كلَّما ظننتُ أنَّها نهايتُكِ
أعادتني إلى بدايتي.
لم أعدْ أبحثُ عن بابٍ للخروج؛
ففي عروقِكِ تتعلَّمُ الخطواتُ كيف تصيرُ قيودًا،
وفي فمِكِ يجرِّبُ الفناءُ طعمَ الحياة.
صنعتُكِ منفى..
فصرتُ أنا حدودَهُ الأخيرة،
ولا أستطيعُ مغادرتَهُ
دونَ أن أتركَ قلبي
دليلًا على جريمةِ الوصول.
أحمد عادل


