بين ضبط الخصومة وضمانات الدفاع قراءة في حدود السلطة ومرجعيات العدالة رسالة إلى قيادة السلطة القضائ
وأنا في كل مرة أتأمل فيها خلافًا بين قاضٍ ومحامٍ ينتقل أو يصل إلى وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بعد التعديل الأخير في قانون السلطة القضائية بشأن المحاماة، أجدني أمام مشهد يتكرر: يزداد الجدل، ويتمترس كل طرف خلف منطق الجهة التي ينتمي إليها، إلا قلة تحاول تجاوز الاصطفاف إلى فهم أصل المشكلة.
وهنا يبرز تساؤل يستحق التوقف: ما أسباب ما يوجد حالة التجاذب الفئوي والتباين الحدّي الحاصل، وكيف يمكن أن نحول دون تكرار هذه الخلافات، من غير أن نمس بهيبة القضاء، أو ننتقص من دور المحاماة في تحقيق العدالة وحماية حق الدفاع في محراب القضاء؟
لقد دفعني هذا التساؤل إلى الحيرة، وأمام تكرار الإجابات التي لا تزيل أسباب المشكلة، ما جعلني ملزمًا أن أقوم بالخروج من دائرة الأطراف؛ باحثًا عن موضع الخلل بعيدًا عن الانتصار لطرف على حساب آخر.
وما انتهيت إليه مبدئيًا أن المشكلة قد لا تكون في أحد الطرفين بقدر ما تكون في زاوية منسية من وعينا بطبيعة العلاقة بينهما؛ زاوية تتعلق بكيفية فهمنا لتراكم التجربة الإنسانية في تنظيم العدالة، وحالة من الاغتراب عن ذلك التراث الذي فصل بين مرجعيات العدالة ووسائلها، وبين الغايات التي يسعى إليها العاملون فيها وحدود الأدوار التي ينهضون لتحقيقها.
فالقضاء مرجعية للفصل في الخصومات، والمحاماة وسيلة أصيلة من وسائل تحقيق العدالة وضمان حق الدفاع. ولكل منهما مكانته ووظيفته، ولا يستمدان قيمتهما من الصراع بينهما، بل من تكامل أدوارهما في خدمة العدالة.
ولذلك، عندما تختلط المرجعيات بالوسائل، ويضطرب فهم الفوارق بينهما، وتغيب قراءة ما خلصت إليه التجربة الإنسانية عبر تراكمها الطويل، ينشأ وعي يتحصن فيه كل طرف بما يعتقد أنه يحمي به المؤسسة التي ينتمي إليها. وهو ما تجلى في التعديل القانوني الأخير لقانون السلطة القضائية في مواجهة المحاماة؛ وبهذا تحولت حماية المؤسسة القضائية، في بعض القراءات، في مسك الذهاب إلى توفير حماية غير منضبطة لكل تصرف يصدر عن العاملين فيها، يمس علاقة القضاء بالمحاماة، إلى حد قد يُفهم معه الاعتراض المهني على أنه انتقاص من مكانتها، ويُساء فيه فهم استقلال المحامي ودوره في الدفاع عن موكله باعتباره خروجًا على مقتضيات الاحترام الواجب للقضاء.
وهنا يصبح الخلاف أكثر من مجرد سوء فهم بين شخصين؛ إذ يغدو خللًا في فهم الحدود الفاصلة بين احترام المؤسسة ومساءلة التصرف، وبين صيانة هيبة القضاء وضمان استقلال الدفاع.
وليس المقصود من هذه التسوية أو المساواة بين اختلاف طبيعة المسؤوليات وفوارق الوسائل انتقاصًا من مكانة القضاء، وإنما التذكير بما أنتجته التجارب البشرية وخلص إليه تراثها المعرفي؛ وهو أن هيبة المؤسسات لا تتحقق بتحصين الأشخاص من احتمال الخطأ، بل بوجود قواعد عادلة تضبط التصرفات، وتتيح التحقق منها، وتضمن التناسب بين الخطأ والمسؤولية المترتبة عليه.
ولعل ما يستحق التأمل هنا أن عمل القاضي، على جلال مسؤوليته، ليس معصومًا من الخطأ في الاجتهاد أو التطبيق؛ فقد يصدر حكم ثم يُلغى أو يُنقض أمام درجة قضائية أعلى. فإذا كان الخطأ في العمل القضائي ممكنًا، رغم ما يحيط به من ضمانات وتأهيل ورقابة، فكيف نفترض أن الخطأ في تقدير سلوك المحامي أو تفسير موقفه مستحيل، ثم نبني على هذا الافتراض أحكامًا أو إجراءات قد تمس دوره في الدفاع عن الحقوق؟
ومن هنا، فإن التعديل التشريعي لا ينبغي أن يُقرأ فقط من زاوية ما يمنحه القاضي من سلطة، بل أيضًا من زاوية ما قد يترتب عليه من آثار على الغايات العظمى التي ينشدها القضاء، وعلى العلاقة بين القاضي والمحامي، وعلى ضمانات الدفاع، وعلى قدرة كل طرف على أداء وظيفته دون خشية من أن يتحول الخلاف المهني إلى خصومة شخصية أو مؤسسية.
والسؤال الأهم: هل يكفي أن نضع قواعد سلطة أوسع لحماية هيبة القضاء، أم أن الحماية الأعمق تبدأ من تحديد دقيق للحدود الفاصلة بين الاختصاص والوسيلة، وبين ما يكشف الخطأ المهني والتجاوز، وبين النقد المشروع والإساءة؟
إن السؤال الذي أضعه أمام قيادة السلطة القضائية ليس دفاعًا عن المحامين في مواجهة القضاة، ولا انحيازًا للقضاة على حساب المحامين؛ بل محاولة للبحث عن قاعدة تحمي الطرفين من الخلط الذي قد يدفعهما، بحسن نية أو بسوء تقدير، إلى الإضرار بالعدالة تحت عنوان حمايتها.
فالعدالة لا يحميها القضاء وحده بمعزل عن المحاماة، ولا تحميها المحاماة بمعزل عن القضاء. وإنما يحميها نظام يحدد لكل منهما دوره، ويصون استقلاله، ويضبط علاقته بالآخر، ويجعل الاحتكام إلى القانون بديلًا عن الاصطفاف، وإلى المعايير الموضوعية بديلًا عن التقديرات الشخصية.
ولذلك، قبل أن نسأل: كيف نمنع تكرار الخلاف بين القاضي والمحامي؟ ربما كان الأجدر أن نسأل: هل تكمن المشكلة سابقًا في غياب القواعد، أم في غموض الحدود التي تفصل بين مرجعيات العدالة ووسائلها؟ وهل يعالج التعديل المفروض أصل الخلل، أم يكتفي بمعالجة مظاهره؟
ذلك هو التساؤل الذي أرى أن الإجابة عنه تستحق أن تسبق أي تعديل؛ لأن التشريع الذي لا يميز بدقة بين حماية المرجعية وتنظيم الوسيلة قد يعالج خلافًا قائمًا، لكنه يترك الباب مفتوحًا أمام خلافات أخرى، وربما ينشئ من الإشكالات أكثر مما أراد أن ينهيه.
والكلام هنا ليس غايته أن ينتصر القاضي على المحامي، أو المحامي على القاضي؛ بل ألا ينتصر الخلط بينهما على ما يحمي العدالة. ذلك الخلط المدمّر الذي يستثير في النفس البشرية غرائزها وشهواتها، ويحرّك نزعة التسلّط فيها، حتى تتوارى الحدود الفاصلة بين الحق والرغبة، وبين العدالة وتصفية الحسابات، فلا يبقى رادع يضبط القوة، ولا ضمير يكبح شهوة التسلط.
وفي تقديري أن جوهر المشكلة في هذا التعديل يكمن في مسألتين مترابطتين.
الأولى: الجمع بين سلطة تقرير المخالفة وسلطة توقيع العقاب في يد القاضي نفسه؛ فهو الذي يقدّر أن المحامي ارتكب مخالفة أثناء نظر القضية، ثم يصدر القرار الذي يمنعه من الترافع. وهنا لا يتعلق الأمر بالتشكيك في نزاهة القاضي أو التقليل من سلطته، وإنما بمبدأ قانوني أوسع: أن العدالة لا تكتفي بحسن نية من يمارس السلطة، بل تحتاج أيضًا إلى توزيع الاختصاصات بطريقة تمنع اجتماع الأدوار المتعارضة في يد واحدة.
والثانية: أن هذا الحكم أُدرج في قانون السلطة القضائية، لا في قانون المحاماة الذي ينظم المهنة وشؤونها ومسؤولياتها التأديبية. وقد يبدو ذلك مجرد اختلاف في موضع النص، لكنه في الحقيقة يثير سؤالًا أعمق عن مدى احترام استقلال مهنة المحاماة ورمزيتها بوصفها إحدى ضمانات العدالة، لا مجرد مهنة تعمل تحت سلطة القضاء.
وليس المقصود أن تكون المحاماة بمنأى عن المساءلة، أو أن يُحرم القضاء من مواجهة أي سلوك يعطل الجلسات أو يسيء إلى إجراءات التقاضي. المقصود أن هناك فرقًا بين أن يضبط القاضي ما يجري أمامه، وبين أن يمتد اختصاصه إلى تقرير جزاء مهني يحرم المحامي من الترافع أمام المحاكم مدة محددة.
وهذا هو الفارق الذي حرصت عليه نماذج قانونية مقارنة؛ إذ ميّزت بين دور المحكمة في إثبات ما يقع أمامها وإحالته إلى الجهات المختصة، وبين دور الجهة التأديبية التي تتولى مساءلة المحامي وتقرير الجزاء وفق إجراءات مستقلة وضمانات للمراجعة والطعن. فالفكرة ليست إعفاء المحامي من المسؤولية، وإنما ألا تجتمع سلطة تحريك المساءلة والفصل فيها في يد واحدة، وأن يبقى لكل مؤسسة مجالها واختصاصها.
فالمسألة في النهاية ليست صراعًا بين القضاء والمحاماة، بل سؤال عن الطريقة التي ينبغي أن تُوزَّع بها السلطة حتى تبقى العدالة محمية من الخطأ، ومن شبهة الانفراد بتقدير المخالفة وعقاب مرتكبها. فاستقلال المحاماة لا ينتقص من هيبة القضاء، كما أن استقلال القضاء لا يقتضي أن تكون كل أدوات مساءلة المحامي خاضعة له؛ بل إن احترام استقلال كل منهما هو ما يجعل العلاقة بينهما أكثر توازنًا، ويمنح المتقاضي ثقة أكبر في عدالة الإجراءات.
وثمة مسألة أخرى لا تقل أهمية، تتعلق بموضع النص التشريعي نفسه. فالمقارنة القانونية تُظهر أن عددًا من الدول نظّم مساءلة المحامي المهنية والجزاءات التي قد تصل إلى منعه من ممارسة المهنة ضمن قانون المحاماة أو القانون المنظم للمهنة، مع إبقاء دور المحكمة في ضبط الجلسات وإحالة المخالفات إلى مسار المساءلة المختص.
والأكثر لفتًا للنظر أن قانون المحاماة اليمني نفسه يتضمن نظامًا للمساءلة التأديبية، ويحدد العقوبات والجهات المختصة بتوقيعها، ويكفل للمحامي حق الدفاع والطعن. لذلك فإن إدراج سلطة جديدة للمنع من الترافع في قانون السلطة القضائية لا يثير سؤالًا عن مضمون الجزاء وحده، بل عن سبب نقل هذا الاختصاص إلى إطار تشريعي ينظم السلطة القضائية، بدل معالجة المسألة ضمن القانون الذي ينظم مهنة المحاماة ومسؤولياتها التأديبية.
ولا يتعلق الأمر بحساسية مهنية أو رغبة في تحصين المحامي من المساءلة؛ فالمحاماة، كغيرها من المهن، تخضع للقانون. لكن استقلال المهنة يقتضي أن تُنظَّم مساءلة أعضائها وفق قواعد واضحة، وبواسطة إجراءات تراعي طبيعة المسؤولية المهنية، وتفصل بين سلطة ضبط الخصومة وسلطة توقيع الجزاء الذي يمتد أثره إلى ممارسة المهنة.
فموضع النص ليس تفصيلًا شكليًا دائمًا؛ إذ قد يكشف عن تصور المشرّع لطبيعة العلاقة بين مؤسسات العدالة، وعن مدى إدراكه أن استقلال المحاماة ليس امتيازًا لأصحاب المهنة، بل ضمانة من ضمانات حق الدفاع نفسه.
وهكذا، فإن جوهر النقاش ليس في منح القاضي سلطة أو انتزاعها منه، بل في الفهم الذي يحكم العلاقة بين سلطات العدالة ووسائل حمايتها؛ ذلك الفهم الذي إذا اختل، تحولت بعض الوسائل إلى معاول هدم في يد من يحسب أنه يحمي العدالة، بينما هو يخلط بين مرجعيتها ووسيلتها، وبين هيبتها وتحصين الأشخاص من المساءلة.
أيها السادة في قيادة السلطة القضائية الموقرة،
إن ما أطرحه هنا ليس صياغة خصومة، ولا بحثًا عن انتصار لطرف؛ بل دعوة إلى تأملٍ هادئ في الحدود التي تحمي العدالة من أبنائها، كما تحمي أبناءها من الخلط الذي قد يقع باسمها. فالتشريع الذي لا يميز بدقة بين حماية المرجعية وتنظيم الوسيلة قد يعالج خلافًا قائمًا، لكنه يترك الباب مفتوحًا أمام خلافات أخرى، وربما ينشئ من الإشكالات أكثر مما أراد أن ينهيه.
والسؤال الذي يبقى: هل نحمي العدالة بتوسيع السلطات، أم بصيانة الحدود التي تجعل لكل سلطة وظيفتها، ولكل وظيفة ضماناتها، ولكل ضمانة أثره في حفظ حق الدفاع وهيبة القضاء معًا؟
4