من هو الصديق!؟
سُئل العباداني يوماً: من الصديق؟
لم يذهب إلى قواميس الكلمات المنمقة ولم يَعُدَّ الصفات الظاهرة التي يتغنى بها الناس في مجالسهم بل غاص في عمق النفس البشرية ليعود بإجابة تختزل فلسفة العلاقات الإنسانية في أدق تفاصيلها حيث قال:
"من شهد طرفه لك عن ضميره بالوفاء والود، فإن العين أنطق من اللسان، وأوقد من النيران"
تأتي هذه المقولة لتعيد صياغة مفهوم الصداقة الحقيقية مُخرجةً إياها من دائرة الوعود الشفهية والعبارات العابرة إلى فضاء الصدق الشعوري العفوي.
بحيث جعل من "الطرف" ــ وهو نظرة العين ــ الشاهد الأول والعدل على ما يضمره القلب.
إنها دعوة للالتفات إلى تلك الرسائل الصامتة التي تنطلق من عيون الأصدقاء فالصديق الحقيقي ليس من يملأ أذنيك بمديحٍ قد تخالطه المجاملة بل هو من تلمح في بريق عينيه ونظراته واحة من الأمان والود الخالص نظرة تنبئك عما في ضميره من وفاء دون تكلف أو تزييف.
وفي شطر المقولة الثاني يضع يده على حقيقة علمية ونفسية خالدة "فإن العين أنطق من اللسان".
اللسان آلة طيعة يمكن للمرء أن يروّضها ليقول ما لا يشعر به ويخفي وراء الكلمات غايات وأسراراً أما العين فهي مرآة الروح النابضة التي تعجز عن محاكاة الزيف.
النظرة العفوية ولمعة الفرح أو مسحة الحزن في عيون من نحب كلها قنوات اتصال تبث بترددات تفوق سرعة الصوت فتقول في لحظة صمت واحدة ما قد تعجز عنه خطب ومجلدات.
ولم يقف البيان عند حدود النطق بل زاد عليه العباداني بصفة التوهج والنفاذ حين قال:
"وأوقد من النيران"
والنار هنا ترمز للقوة والوضوح والحرارة العاطفية.
إن نظرة الصديق الصادق ليست باهتة ولا باردة بل هي نظرة متقدة بالاهتمام والدفء تخترق حجب الجفاء وتمد جسور الثقة بين الأرواح مثلما توقد النار الظلام فتبدده فإن نظرة الوفاء من عين الصديق تبدد شكوك النفس وتمنح الإنسان طاقة لمواجهة عثرات الحياة.
إن مقولة العباداني هي درس بليغ في زمن تداخلت فيه المظاهر وكثرت فيه شعارات الصداقة الافتراضية و تذكرنا بأن الصداقة الحقيقية هي كيمياء روحية تُقرأ في العيون قبل أن تُسمع في الآذان وأن الصديق الذي يفيض طرفه بالود ويشهد ضميره بالصفاء هو عملة نادرة تستحق الصيانة والامتنان
فما أجمل أن نلتفت لعيون من حولنا لنبصر من خلالها صدق الضمائر ونقاء العهود
#مجتمع
#الصداقة
#ثقافة
21