«سوسيولوجيا الضحك:
الضحك تعبيرٌ إنساني عن انفعالٍ ما كالفرح، وهو شكلٌ من أشكال التسلية والبهجة، تنكشف به خلجات الذات لـ "الأنا" وللآخر، بل ورغباتها وردود أفعالها تجاه الإثارة أو الإحباط. يضمن الضحك التواصل والتفاهم والتعاطف، مثلما يؤجج الفصل والتباعد. ومن خلال هذا السلوك، تستطيع الذات ترجمة نفسها لذاتها وللآخر، وانتزاع الاعتراف بوجودها. ونحن لا نجانب الصواب حين نؤكد إقرار "برغسون" القائل بأن "الإنسان كائنٌ ضاحك"، بمعنى أنه ينفرد بفعالية الضحك.
إن الضحك وسيلةُ ترويحٍ تحضر في موقفٍ يتبدى لنا غير مقبول، أو في حالِ وضعٍ غير طبيعي لا تقبله "الأنا"، وهو في الآن ذاته ردة فعلٍ تجاه الإحساس بالخوف والفزع. لكن السؤال الذي يؤرقني هنا هو: هل نحن شعبٌ ضاحك؟
إن ما يسوغ طرح مثل هذا السؤال هو قولنا المأثور الذي نرفق به كل وضعية ضحك؛ إذ أصغي دوماً فأسمع القهقهة والضحك، لكنهما ينتهيان في غالب الأحيان بصيغٍ تعوذية مثل: "ربي يقدّر الخير".
هذا القول يؤكد أننا نخاف الضحك، وأننا شعوبٌ تتطير (تتشاءم) من هذا الانفعال، بل وتجعل منه حالةً لوضعية مأزقية إحراجية. ولكن، لِمَ نخاف الضحك؟
ألا يعود لنا هذا الخوف إلى الوضع الذي نحياه؟ هل أُنبتت ثقافتنا على الحزن؟ هل قُدِّر لنا ألا نستمتع بالضحك؟ أوليس الضحك ثقافة الحرية، والانفلات، والامتلاء، والديمقراطية؟ هل ثقافتنا هي ثقافة الموت والحزن والألم؟ ألا يحق لنا أن نضحك مثل غيرنا؟
إننا نتعلم الضحك قبل تعلم الكلام، وهو ما يجعل كل إنسانٍ إنساناً ضاحكاً باكتسابٍ أوليّ يرافقه كفعالية لإثبات الوجود. إن مثل هذا الإقرار يدعونا إلى استدعاء السؤال التالي: هل حُرِمنا من هذا الاكتساب الأولي؟ ومَن حرمنا منه إذا علمنا أنه اكتسابٌ بدئي يحصل مع الرضاعة؟
سؤالٌ يرمي بنا في أكثر من مأزق، ويثير الهمَّ في ذاتي.
هل باتت الشعوب العربية تُفعّل الضحك؟ لقد بدا لي أن الضحك بات افتعالاً لا يعبر عن صدق السريرة، إذ يصبح ضرباً من الغمّ يزيد من عِظَمِ مأساتنا وآلامنا.
أستخلص فأقول: إن استعادة الضحك كامتلاكٍ بدئي رهينةٌ بالشعور بثقافة الحرية، والديمقراطية، والعدالة داخل المجتمع. ولعلي لم أبالغ إن ذهبت في قراءتي إلى هذا الحد، ولم أجانب الصدق إن اعتقدت أن هذه الآليات هي السبيل لاستعادة هذا الانفعال البدئي على حقيقته.»
حاتم بوبكر
تونس
12