يعلم الحكيم أنه لا يحسن علم الحساب
وأنّه غير ماهر في المقايضة
أنّ سرّ الحكاية قديم
وأن جده الأول كان ناظراً إلى السماء
حافياً لا يبرع في التنمّق
وأنه كان يتلقى سخرية النساء
من نظره المعلّق إلى الفضاء
يعلم الحكيم أن العاطفة لا تقايَض
ما تدره الحروف ليس للمساومة
وحتى لو غُرّر به ووُضِع حذو المآدب الفاخرة
فإن نفسه تتقيأ الفجور
بلاهة وتفاهة القصور
ربما شاكلت نفسه مأثرة سليمان
حين ضحى بالصافنات الجياد
لأجل عفة في نفسه وكرامة
هو روح خارج المساءات
فهم ثنائية الفناء والبقاء
أن حروفه حرة حتى وإن ظلت حبيسة
هو ليس كغيره من الكتاب والشعراء
رهانه الحرية والحب والسلام
دون مقايضة وتدخّل علم الحساب
حاتم بوبكر
تونس
"يُربِكني ويكربُني أن تتحول الكتابة إلى اختصاص والقراءة إلى اختصاص آخر، وأتساءل: كيف لمن يكتب ألا يقرأ؟ أهو من باب التكبر، أم جهلٌ بقيمة الاعتراف، أم هو طلبٌ للاعتراف مع نسيان الحق في الاعتراف المتبادل؟ ويزعجني أكثر أن ترتبط قراءة النصوص بالتحفيز؛ أليس الأولى بنا الوعي بأن هذه العملية فاعلية مشتركة؟ ذلك أن التثاقف تبادل وتشارك، وفعل تقييم وتقويم."
الرواية مسيرمثقل بالجراح, بالألم والمعاناة, مسير انسان يكابد الماضي بكل آهاته وأحزانه, واجه الحاضر بكل خيباته وانكساراته وهو يتشوّق مستقبلا بعيدا عن الثرثرة والصخب والعربدة والاستئصال . مستقبل يعيد للأطفال سيمتهم وللحياة ألقها وبريقها وللربيع أصالته, بهجته وحيويته وللأرض خصوبتها , عفّتها, طهارتها كرمها وشرفها.
مسير اعتراه الأرق وشابه التوتر والحيرة والدهشة وعذابات الجسد ارتسمت وشما يصعب محوها, إنها نقوش على ذاكرة التاريخ والزمان.
مسير لا نُريده نُثارا فمن الظلمة سينبعث النور ومن الموت تولد الحياة ومن الرماد سينبعث اللّهيب ومن ربيع الأرض ورحمها تُزهر البراعم وتفوح رائحةالفل والياسمين ويستمر النخيل باسقا وشامخا من شموخ الزمان ومن الزيتون عصار يُنير الضمائر وبلسم يُشفي القلوب ويرطّب الحناجر فتهتف باسم الحرية والكرامة والصمود.
هو مسير تشبّث بأرض الأجداد والعودة إلى الوطن, إلى زهرة المدائن, طالما كان هنالك أياد تستحث المسير وتنفض النثار الذي قبع ومزق الوحدة وصهر الأمجاد وقهر صولاتهم.
لعمري إنه مسير حاتم الإنسان, بل حاتم المبدع, حاتم المعنى فانساب ثوريا نيتشويا في أسلوبه ومسعديا في لغته الابداعية وتجربته الوجودية.
حاتم تحركه ثورة الفيلسوف المتمرد على السائد وعلى الظلم والطغيان ويراوده إحساس الشاعر وذوق الفنان فتتكسّر الحدود على قلاع الحرية والأمل والصمود وتتفجر الأحلام والخيالات والابداعات ينابيعا في عقل مبدعنا ومفكرنا فيوقظ قلمه الهمم ويشحذ أسلوبه الفلسفي السير فيها رغم الانتكاسات والخيبات التي لحقتنا ووهنا منها وهن بيت العنكبوت حد الثّمالة.
مسير سيفيض أنهارا تُغرق المُغتــ....ب ونارا تحرق المضطــ........د . مسير يكون فيه الأطفال عصي حلفاء, مسير مشرق يُقبل غير مُكابر.
بقلم أستاذ الفلسفة: محمد ظافر الشهودي.
الضحك تعبيرٌ إنساني عن انفعالٍ ما كالفرح، وهو شكلٌ من أشكال التسلية والبهجة، تنكشف به خلجات الذات لـ "الأنا" وللآخر، بل ورغباتها وردود أفعالها تجاه الإثارة أو الإحباط. يضمن الضحك التواصل والتفاهم والتعاطف، مثلما يؤجج الفصل والتباعد. ومن خلال هذا السلوك، تستطيع الذات ترجمة نفسها لذاتها وللآخر، وانتزاع الاعتراف بوجودها. ونحن لا نجانب الصواب حين نؤكد إقرار "برغسون" القائل بأن "الإنسان كائنٌ ضاحك"، بمعنى أنه ينفرد بفعالية الضحك.
إن الضحك وسيلةُ ترويحٍ تحضر في موقفٍ يتبدى لنا غير مقبول، أو في حالِ وضعٍ غير طبيعي لا تقبله "الأنا"، وهو في الآن ذاته ردة فعلٍ تجاه الإحساس بالخوف والفزع. لكن السؤال الذي يؤرقني هنا هو: هل نحن شعبٌ ضاحك؟
إن ما يسوغ طرح مثل هذا السؤال هو قولنا المأثور الذي نرفق به كل وضعية ضحك؛ إذ أصغي دوماً فأسمع القهقهة والضحك، لكنهما ينتهيان في غالب الأحيان بصيغٍ تعوذية مثل: "ربي يقدّر الخير".
هذا القول يؤكد أننا نخاف الضحك، وأننا شعوبٌ تتطير (تتشاءم) من هذا الانفعال، بل وتجعل منه حالةً لوضعية مأزقية إحراجية. ولكن، لِمَ نخاف الضحك؟
ألا يعود لنا هذا الخوف إلى الوضع الذي نحياه؟ هل أُنبتت ثقافتنا على الحزن؟ هل قُدِّر لنا ألا نستمتع بالضحك؟ أوليس الضحك ثقافة الحرية، والانفلات، والامتلاء، والديمقراطية؟ هل ثقافتنا هي ثقافة الموت والحزن والألم؟ ألا يحق لنا أن نضحك مثل غيرنا؟
إننا نتعلم الضحك قبل تعلم الكلام، وهو ما يجعل كل إنسانٍ إنساناً ضاحكاً باكتسابٍ أوليّ يرافقه كفعالية لإثبات الوجود. إن مثل هذا الإقرار يدعونا إلى استدعاء السؤال التالي: هل حُرِمنا من هذا الاكتساب الأولي؟ ومَن حرمنا منه إذا علمنا أنه اكتسابٌ بدئي يحصل مع الرضاعة؟
سؤالٌ يرمي بنا في أكثر من مأزق، ويثير الهمَّ في ذاتي.
هل باتت الشعوب العربية تُفعّل الضحك؟ لقد بدا لي أن الضحك بات افتعالاً لا يعبر عن صدق السريرة، إذ يصبح ضرباً من الغمّ يزيد من عِظَمِ مأساتنا وآلامنا.
أستخلص فأقول: إن استعادة الضحك كامتلاكٍ بدئي رهينةٌ بالشعور بثقافة الحرية، والديمقراطية، والعدالة داخل المجتمع. ولعلي لم أبالغ إن ذهبت في قراءتي إلى هذا الحد، ولم أجانب الصدق إن اعتقدت أن هذه الآليات هي السبيل لاستعادة هذا الانفعال البدئي على حقيقته.»
حاتم بوبكر
تونس