ما يعتبر به جودة الماء عند العرب
تعتبر جودة الماء من عشرة طرق . أحدها من لونه بأن يكون صافياً الثاني : من رائحته بأن لا يكون له رائحة البتة . الثالث : من طعمه بأن يكون عذب الطعم حلوه كالنيل والفرات ونحوهما . الرابع : من وزنه بأن يكون خفيفاً رقيق القوام . الخامس : من مجراه بأن يكون طيب المجرى والمسلك . السادس : من منبعه بأن يكون بعيد المنبع . السابع : بروزه للشمس والريح بأن لا يكون مختفياً تحت الأرض فلا تتمكن الشمس والريح من قصارته . الثامن : من حركته بأن يكون سريع الجرى والحركة . التاسع : من كثرته بأن يكون له كثرة تدفع المخالطة له . العاشر : من مصبه بأن يكون آخذاً من الشمال إلى الجنوب أو من المغرب إلى المشرق . وإذا اعتبرت هذه الأوصاف لم تجدها بكمالها إلا فى النيل والفرات وسيحون وجيحون ونحوها . وتعتبر خفة الماء من ثلاثة أوجه . أحدها سرعة قبوله للحر والبرد . الثاني : بالميزان . الثالث : أن تبل قطنتان متساويتا الوزن بمائين مختلفين ثم يجففا بالغًا ثم توزنا فأيهما كانت أخف فماؤها كذلك .
والماء وإن كان فى الأصل باردًا رطبًا فإن قوته تنتقل وتتغير لأسباب عارضة توجب انتقالها فإن الماء المكشوف للشمال المستور عن الجهات الأخرى يكون باردًا وفيه يبس مكتسب من ريح الشمال . وكذلك الحكم على سائر الجهات الأخر . والماء الذى ينبع من المعادن يكون على طبيعة ذلك المَعْدِن ويؤثر فى البدن تأثيره، والماء العذب نافع للمرضى والأصحاء والبارد منه أنفع وألذّ. قالوا : ولا ينبغي شربه على الريق ولا عقب الجماع ولا عند الانتباه من النوم ولا عقب أكل الفاكهة ، وأما على الطعام فلا بأس به إذا اضطر إليه بل يتعين ولا يكثر منه بل يمتصه مصاً فإنه لا يضره البته بل يقوى المعدة وينهض الشهوة ويزيل العطش . والماء الفاتر ينفخ ويفعل ضد ما ذكرناه وبائته أجود من طريه . قالوا : والبارد ينفع من داخل أكثر من نفعه فى الخارج والحار بالعكس ، وينفع البارد من عفونة الدم وصعود الأبخرة من الرأس ويدفع العفونات ويوافق الأمزجة الأسنان والأزمان والأماكن الحارة ويضر كل حالة تحتاج إلى نضج وتحليل كالزكام والأورام ، والشديد البرودة منه يؤذى الأسنان ، والإدمان عليه يحدث انفجار الدم والنزلات وأوجاع الصدر . والبارد والحار بإفراط ضاران للعصب ولأكثر الأعضاء لأن أحدهما محلل والآخر مكثف . والماء الحار يسكن لذع الأخلاط الحادة ، ويحلل وينضج ويخرج الفضول ويرطب ويسخن ويفسد الهضم شربه ويطفو بالطعام إلى أعلى المعدة ويرخيها ولا يسرع فى تسكين العطش ويذبل البدن ويؤدى إلى أمراض رديئة ويضر فى أكثر الأمراض ، وعلى أنه صالح للشيوخ وأصحاب الصرع والصداع البارد والرمد وأنفع ما استعمل من خارج والشديد السخونة يذيب شحم الكلى . وعلى كل حال أن الماء البارد أنفع ولا سيما إذا خالطه ما يحليه كالعسل والزبيب والسكر ونحو ذلك فإنه من أنفع ما يدخل البدن وأحفظ عليه صحته . ولهذا كان أحب الشراب إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم البارد الحلو . ولما كان الماء البائت أنفع من الذي يشرب وقت استقائه قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وقد دخل إلى حائط أبي الهيثم بن التيهان : هل من ماء بات فى شَنّه ؟ فأتاه به فشرب منه ، فإن الماء البائت بمنزلة العجين الخمير والذي شرب لوقته بمنزلة الفطير وأيضًا فإن الأجزاء الترابية والأرضية تفارقه إذا بات والماء الذى فى القرب والشنان ألذّ من الذي يكون فى آنية الفخار والأحجار وغيرها عندهم ولا سيما أسقية الأدم ، ولهذا التمس النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ماء بات في شنه دون غيرها من الأوانى ، وفى الماء إذا وضع في الشنان خاصية لطيفة لما فيها من المسام المنفتحة التي يرشح منها الماء ، ولهذا كان الماء فى الفخار الذي يرشح ألذّ منه وأبرد فى الذي لا يرشح .
من غاية الأرب للألوسي
#مجتمع #مجتمع_عام

6 مشاهدة