أرواح في قائمة الحذف
أنـت تُمحور عمـرك كـله حول وهـم البقـاء، يا صديقي، بينما روحـك الكاملة تتكدس هـناك.. في قـاع سلـة المهمـلات.
وحين يميل الليـل نحو سكونه الأخير، تمـد إصبعك المرتجف نحو زجـاج الهـاتف، تنقش على صفحة الضوء كلاماً صادقاً، ثم تتردد فجأة، تضغط على زر الحذف، وتغلـق الشاشة واثقاً أن ما كتبته تبخر في مهـب الفراغ. لكن الحقيقة التي تهرب منها أبعد من ظنـك بكثير؛ لأن الكلمات التي تقتلها بيديك لا تفنى أبداً.
في بحـر تلك السحـابة الصامتة، تهبط تـلك الحروف المبتورة لتلتقي في معبر غامض؛ رسـائل الشوق التي حبستها خلـف بـاب الصمت، واعترافات العتـب التي أتلفتها خـوفاً من نظـرات العابرين، والدموع التي سالت على زجـاج الشـاشة ثم مُسحت بضغطة سريعة.
هنـاك، في عـزلة الذاكـرة الباردة، تنسج تـلك المفردات المهملة أجساداً شفافة خاصة بها، وتفتح عيوناً جديدة لترقبك أنـت؛ أنـت الحـائر بين جدران الـواقع.. بينما تتـرك جوهرك الحي يتـأكل في العتمة الرقمية.
كل حرف مسحته يعيش اليـوم حيـاة مستقلة، يتنفس من رصيد نبضك، ويترقب اللحظة التي تنقلب فيها الموازين؛ ليقف المحذوف أمامك وجـهاً لـوجه، واضعاً يـده على كتفـك المرتجف، ليهمس في أذنـك يا صديقي بصوت يشبـه حفيف الـورق في الخريف، معلناً نهاية الوهم الكبير وبـداية الحقيقة المفجعة:
من يـدفن الآخـر... أنـا أم صدى صوتك؟
#يتبع
___________
#وسام_طيارة_السوري #نبض #فلسفة #كتبي #أدب #ثقافة #لآلئ_اليوم #الغواص @المتابعون

54 مشاهدة