المياه المشهورة عند العرب
منها ماء (الغيث) وهو لديهم لذيذ الاسم على السمع والمسمى على الروح والبدن تبتهج أسماعهم بذكره ، وقلوبهم بوروده ، وماؤه ألطف المياه وأفضلها وأنفعها وأعظمها بركة ، ولا سيما إذا كان من سحاب راعد واجتمع فى مستنقعات الجبال وهو أرطب من سائر المياه لأنه لم تطل مدته على الأرض فيكتسب من يبوستها . ولم يخالطه جوهر يابس ولذلك يتغير ويتعفن سريعاً للطفته وسرعة انفعاله . وهل الغيث الربيعى ألطف من الشتوى أو بالعكس فيه قولان ، قال من رجح الغيث الشتوى : حرارة الشمس تكون حينئذ أقل فلا يجتذب من ماء البحر إلا ألطفَه والجوُّ صاف وهو خال من الأبخرة الدخانية والغبار المخالط للماء ، وكل هذا يوجب لطفه وصفاءه وخلوه من مخالط . وقال من رجح الربيعى : الحرارة توجب تحلل الأبخرة الغليظة وتوجب رقة الهوى ولطافته فيخف بذلك الماء وتقل أجزاؤه الأرضية وتصادف وقت حيوة النبات والأشجار وطيب الهواء .
ومنها ماء (الثلج) و(البَرَد) و(الجَمَد) وهذا الماء قليل عندهم لغلبة الحرارة على قطرهم ولكونه لديهم من أنفع المياه وأنقاها . ورد فى الحديث : اللهم اغسلنى من خطاياى بماء الثلج والبَرَد . والثلج له فى نفسه كيفية حادة دخانية فماؤه كذلك ، والحكمة فى طلب الغسل من الخطايا بمائه ما يحتاج إليه القلب من التبريد والتصليب والتقوية ، ويستفاد من هذا الأصل طب الأبدان والقلوب ومعالجة أدوائها بضدها ، وماء البَرَد ألطف وألذ من ماء الثلج . وأما ماء الجَمَد وهو الجليد فبحسب أصله ، والثلج يكتسب كيفية الجبال والأرض التى يسقط عليها فى الجودة والرداءة وينبغى تجنب شرب الماء المثلوج عقب الاستحمام والجماع والرياضة والطعام الحار ولأصحاب السعال ووجع الصدر وضعف الكبد وأصحاب الأمزجة الباردة .
ومنها ماء (الآبار) و(القناء) و(العيون) وهذه المياه غالب مياه العرب . وقد جمع بعض الأدباء المتقدمين أسماء مياههم فى رسالة لطيفة وذكر أصحابها جاهلية وإسلاماً وما ورد فيها من الشعر مما يطول ذكره . ومياه الآبار قليلة اللطافة وماء القناء المدفونة تحت الأرض ثقيل لأن أحدها محتقن ولايخلو عن تعفن والآخر محجوب عن الهواء . وينبغى أن لايشرب على الفور حتى يصدر للهواء ، وتأتى عليه ليلة . وأردؤه ما كانت مجاريه من رصاص أوكانت بئره معطلة ولا سيما إذا كانت تربتها رديئة فهذا الماء دنيّ وخيم . وأما ماء زمزم فهو عند العرب جاهلية وإسلاماً سيد المياه وأشرفها وأجلها قدراً وأحبها إلى النفوس وأغلاها ثمناً وأنفسها ، وهو هزمة جبريل وسقيا إسماعيل عليهما السلام ، وثبت فى الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال لأبي ذر وقد أقام بين الكعبة وأستاره أربعين ما بين يوم وليلة وليس له طعام غيره : فقال النبى صلى الله عليه وسلم إنها طعام طعم ، وشفاء سقم . وفي الحديث : ماء زمزم لما شرب له . وقد جرب كثير من الناس من الاستشفاء بماء زمزم أموراً عجيبة ، وقد شوهد من يتغذى به الأيام ذوات العدد قريباً من الشهر ولا يجد جوعاً ويطوف مع الناس كأحدهم . وأما مياه العيون فالغالب عليها الثقل كأكثر مياه الآبار . وللأصمعى رسالة ذكر فيها ما اعتبرته العرب من الأسماء فى البئر وأنواعها وآلاتها وهي فريدة فى بابها ، وسنذكر إن شاء الله عند الكلام على علومهم ما لهم من اليد الطولى فى معرفة استنباط المياه وإجرائها وإن قسماً منهم يقال لهم (النَّصَّاتون) يضع أحدهم أذنه على الأرض فيعلم مسافة بعد الماء فى تلك الأرض .
من غاية الأرب للألوسي
#مجتمع #مجتمع_عام

14 مشاهدة