وأنت أيضا يا صديقي .. قصة قصيرة
في غمرةِ الوقتِ الذي ينهشُ ملامحَنا بصمت، نكتشفُ أنَّ الوجوهَ ليست سوى مرايا لحكايات السنين، وأن اللقاءاتِ المتأخرة هي اختبار قاسٍ لذاكرة الضوءِ فينا.
نحنُ لا نشيخُ بعدد السنين، بل بمقدارِ ما نتركُه من ذواتنا على أرصفةِ الانتظار.
ذات احتفال وسطَ صخبِ الضوءِ وضجيجِ أحاديث الحضور والضحكات في مساء تلك الليلة، تقاطعت خُطانا بعد أعوام لم تكن كثيرةً بالعدد، لكنها كانت ثقيلةً بما يكفي لتغيير ملامحنا .
مدَّ يدهُ مصافحاً، وبذاتِ العفوية اللاذعة القديمةِ ، ألقى كلمتَهُ كحجرٍ في بئرٍ هادئة: "ماذا بكِ؟ لقد هرمتِ!". صمتَ للحظةٍ ثم تداركَ بارتباك: "عذراً، أقصدُ لقد كبرتِ كثيراً".
بينما كنت أنظر إليه كان ثمة حديث يدور في رأسي (لطالما ألقيتَ كلماتك ورحلت دون الالتفات لسهامها الطائشة ولم تعبأ ولو لمرةٍ بما قد خلفته من جروح)
مضى يسألُ بفضولٍ عمّا لاقيتُه في دروبِ الحياة، وكيف تجرأت الأيام أن تخطَّ تباريحها بهذا الوضوح على صفحةِ وجهي والتي لم تستطع مساحيق التجميل أن تخفيها تماماً.
شعرتُ بغصةٍ خانقةٍ كادتْ تفيضُ دمعاً، لكنني استحضرتُ تلكَ القوةَ التي تمنحُها الأربعون لصاحباتِها، فتمالكتُ نفسي.
وبابتسامةٍ اعتاد ضوءُ الصباح أن يشرق منها، أخبرتُهُ بهدوء: "إنها الدنيا يا صديقي، وهذه سُنةُ الحياةِ فينا جميعاً".
لم أخبرهُ أن عينىّ لم تريا في وجهِهِ هو الآخرُ سوى آثارِ خريفٍ طويل، ولم أشأْ أن أكسر بؤس رُؤيته بمرارةِ الحقيقة.
انصرفَ هو، وبقيتُ أنا أُكملُ الحفلَ بكبرياءِ مَن تتقنُ ترتيبَ خفقاتِها.
وفي صمتِ قلبي، همستُ للريحِ بكلمةٍ أخفيتُها عنه كي لا ينصرفَ حزيناً: "أنتَ أيضاً كبرتَ جداً.. لكنني اخترتُ أن أرى فيكَ الصديقَ لا التجاعيد".
عزة عيسى
جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة
#مجتمع #أدب #قصة قصيرة # #مجتمع_عام

12