
مقال 3 دقائق للقراءة
الأورانجوتان
حينَ يُقلد العجزُ الفكرَ، ويصفق القطيع لوعيٍ زائف، يغدو صخب الأورانجوتان مرآةً لعصرٍ يُمجّد القشور ويهربُ مِنْ عُمق الحقيقة///
حينَ يرتدي التكرار الأعمىٰ عباءة الفكر، وينبري القطيع ليُمجد وهماً مُفرطاً بلا وعي، تُصبحُ المرايا وحدها شاهدة علىٰ مأساة أمةٍ تُصفق لصدىٰ أصواتها، ظانةً أن تقليد الأورانجوتان في صخبه يُقربها مِنْ الحقيقة، وما هو إلا غرق في قشور الجهل وبحث عبثي عَنْ إستثنائية مفقودة!! /_ فإن الإنسان وهو يسير في دروب الوعي والوجود يجد نفسه مراراً وتكراراً أمام مرايا مشوهة تعكسُ ذاته لا كما هي بل كما تُحب أن تتوهم في خيالها المريض المُفرط في التضخم حيثُ تتجسد المأساة الكبرىٰ في تلك الجماعات التي أتت إلىٰ مسرح الفكر لا لتُفكر بل لتنسخ وتُلصق ما قيل دون أن تدركُ جوهر الحرف أو تُبصر عُمق المعنىٰ فتحولت عقولهم إلىٰ أوعية فارغة تتلقىٰ الصدىٰ وتظنهُ أصلاً وتعيش في وهم الإستثنائية المُزيفة وهم يظنون أنفسهم حُراساً للحقيقة وهم في الواقع ليسوا سوىٰ أصداء مُكررة تائهة في غابة مِنْ الرموز العابرة وحينَ نُطالع ما تُخلفه هذه العقلية المُقلدة مِنْ تعليقات مغلوطة ومحاولات بائسة لإثبات صواب الأطروحات نرىٰ بوضوح كيف يتشبه هؤلاء بطريقة لا شعورية بالأورانجوتان في صخبها وحركاتها الميكانيكية الظاهرية التي تُقلد الإنسان العاقل دون أن تملك شيئاً مِنْ لُبه أو عمق تأمله فهم يكررون الإيماءات والألفاظ ذاتها ليثبتوا لصاحب الفكرة أن فكرته قد وجدت مَنْ يفهمها بينما هم في الواقع لا يحملون ذرة مِنْ الوعي الإرشادي الذي يقود إلىٰ الحقيقة أو يفتح مغاليق المعرفة بل إنهم يتعاطون مع الأفكار بمنطق القطيع الذي يُصفق لكل ما هو غريب أو مُعقد دون وعي نقدي أو قدرة علىٰ الغوص في جذور الإشكاليات المطروحة لأنهم إختاروا بارادتهم الحرة أو بقصور وعيهم أن يعيشوا في قشور الأشياء لا في جوهرها مُتخذين مِنْ التكرار الأعمىٰ درعاً يحميهم مِنْ مواجهة عجزهم الأصيل عَنْ الإبداع أو التفكير المُستقل وإن الطرح الفلسفي المطروح أصلاً يُعاني مِنْ عتهٍ بنيوي وعقلية مُفرطة في تعقيدها وترهُلها إلىٰ حد يجعلها بحاجة ماسة إلىٰ عمليات تشذيب طويلة وشاقة ومُستميتة لتخليصها مِنْ زوائدها اللفظية وأوهامها النظرية التي تراكمت عبر الزمن بفعل التجريد المريض الذي يفصل الفكر عَنْ الواقع المعيش وعنْ التجربة الإنسانية الحية ورغم هذا الألم الذي ينخر في عظم الفكرة فإن المُقلدين يأتون بكل سذاجة وثقة عمياء ليدافعوا عنها بالباطل أو بالتعليقات السطحية المغلوطة التي لا تزيد الطين إلا بلة ولا تزيد الفكرة إلا غموضاً وإنغلاقاً مُتخيلين أن كثرة الصُراخ والترديد كفيلة بتحويل الخطأ إلىٰ صواب والجهل إلىٰ بصيرة مُتناسين أن الحقيقة لا تُقام علىٰ أعمدة الببغاوات البشرية ولا تستقيم بتعليقات زائفة يخطها عجز جماعي مُتطابق في إفتقاره لأدنىٰ مقومات التحليل والتفكيك وإن هذا المشهد الوجودي العبثي يُعيدُ إلىٰ الأذهان تلك الحالة مِنْ الإغتراب الفكري حيثُ يفقد الإنسان صلته بذاته ويتحول إلىٰ أداة طبيعة تُردّد ما لا تفهم وتصفق لما لا تدركُ مُتشبهاً في ذلك بالكائنات التي تنقل الحركات دون إدراك الغايات لتظل الأفكار المأزومة مُعلقة في فراغ المتاهة بينَ عقلية مُفرطة في التعقيد والتشوش وبينَ جماهير مُقلدة تصفق للعمىٰ وتظن أنها تحتفي بالنور وفي هذا السياق المُظلم يغيب السؤال الفلسفي الحقيقي ليحل محله ضجيج التعليقات الفارغة التي لا تُقدم ولا تؤخر بل تُبقي الجرح مفتوحاً علىٰ مصراعيه بإنتظارِ وعي حقيقي جريء يجرؤ علىٰ هدم المعبد علىٰ رؤوس الكهنة والمُقلدين معاً لعل وعسىٰ أن يخرج مِنْ بينَ رُكام هذا العبث إنسان جديد يملك القدرة علىٰ أن يفكر لنفسه ولأجل نفسه بعيداً عَنْ قردة الوعي وأوهام الإستثنائية الزائفة!!
#إيالاڤيا #مجتمع #لاڤينيا_عيسىٰ
