عَنِ المُمْكِنِ وَالمَعْقُول.. والتَّنَمُّرِ بـِشَكْلِهِ الأُسَرِيّ
(هِيلَانَة)
لم أبلغ من العمر إلا ثماني عشرة سنة، ولو اتكلتُ على بضاعتي المزجاة من خبرات الحياة لن أقص عليكم إلا فتاتاً من القول؛ ولكنّ الحق يقال: إنني أحمل في جعبتي حكايا من بلاد الغرائب، حيث يرتدي "اللامعقول" ثوب "الممكن". حكايا كانت أمي ترويها لنا نقلاً عن أجدادها، وذات يوم بدأت حديثها قائلة: "كان يا ما كان، في سالفٍ من الزمان غير بعيد..."
بدأت المأساة في ركن من أركان تلك القرية العصماء. بيتٌ تحكمه الجدة الكبيرة بمهابة كبريائها، وتؤازرها الكنّة الكبيرة كساعدها الأيمن. كانتا تتحكمان في عدد أنفاس العائلة، وتكتمان الضحكات في صدور أصحابها. أمرٌ قد تراه النفس غير معقول، ولكنه كان واقعاً ممكناً! ولو مُكِّن لهما، لحكمتا مغاليق الأفكار، لكن الشطط غايةٌ غير ممكنة.
وكانت مشيئة الله أن ترزق هذه الكنّة الصارمة بمولودة ذات جمال عاديّ، غير أن عيباً خلقياً رافقها؛ ورمٌ صغير يشبه حبة الكرز استقر عند عينها اليسرى.
هنا، جُنّ جنون "الحاكمة". ألم يكفِ أنها ولدت فتاة في بيئة تقدس الذكور، حتى تأتي مشوهة الخِلقة أيضاً؟!
ناحت الوالدة وندبت حظها العاثر، ولم ترَ في هذه الطفلة إلا شؤماً، معللةً علّتها بحسد الأخريات وكرههنّ لها.
أسموها "هيلانة". وكبرت الصغيرة ترتع في منافي النبذ والازدراء.
حتى يد الأم، التي جُعلت لتكون بلسماً، كانت تمتد إليها بالضرب وهي بعدُ رضيعة في مهدها! كيف كان ممكناً ذلك؟ وأي عقل يبرر جفاف العاطفة هذا، في الوقت الذي حُجبت فيه الرعاية عنها لتُغدق على شقيقاتها؟
حين أتمت السادسة، دُفعت إلى المدرسة دفعاً. ومن محاسن الصدف أن الحاكمة أمرت برعايتها تعليمياً، لا حباً فيها، بل ليقينها أن هذه "المشوهة" لن تجد خاطباً في أعراف وتقاليد مقدسة، لا ترى في المرأة إلا وعاءً للولادة ومصدراً للمتعة.
في المدرسة، حاول الصغار ممارسة غريزة القسوة وتأليبها بمضايقاتهم، لكن "هيلانة" سبقتهم جميعاً إلى المقعد الأول. صرخت في وجوههم كالذئب الكاسر؛ لم يكن ذلك عدواناً، بل كانت غريزة البقاء تدافع عن رقعة ضوء في بلاد الغرائب. كانت تحمل في صدرها شظايا انتمائها المكسور، وعزلتها المفروضة من أقرب الناس إليها.
ومع مرور الأيام، طوت المنيّة "الحاكمة"، فتفككت العائلة الكبيرة وتحولت إلى جزيئات متناثرة. لكن معاناتها لم تنتهِ؛ بل نمت في قلبها قسوة دفينة وعناد كأنه غول لا يُجابه. ويذكر التاريخ الصغير لتلك الأسرة أنها صرخت يوماً في وجه أمها بكلمة: "لا أريد!"، فارتعدت الفرائص ونظر الجميع بدهشة ورعب؛ فالأوامر في هذا البيت تُطاع دون نقاش. وهكذا، انسحبت هيلانة شيئاً فشيئاً إلى عزلة تامة، خاوية من أي عاطفة أَبَويّة.
وفي غمرة هذا الظلام، أومض بارق الأمل في المدرسة الثانوية. أخبرتها إحدى المعلمات رفيقات القلوب بأن وجعها الخارجي ليس بالخَطْب الجلل، وأن مبضع طبيب حاد كفيل بإزالة هذه الندبة في ربع ساعة. منحها هذا الخبر أملاً وارفاً،
غير أن التحول النفسي الأكبر كان على يد معلم التربية الدينية؛ ذلك الشيخ الوقور الذي نصحها بأن تخرج السر الكبير المنطوي في أعماقها، مذكرّاً إياها بأن "المؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف"، وأن الجمال الحقيقي يبدأ من صفاء الأرواح ونقاء القلوب.
اعترفت هيلانة لنفسها آنذاك بأنها كانت تعيش اعتلالاً نفسياً، ترفض الآخرين وتضمر لهم الكره، وهو ما جعل خطاها في الحياة ثقيلة نحو أي ارتباط.
كان ذكاؤها المتوقد محط أنظار المعلمين. كان اسمها "هيلانة" يثير الفضول من الحصة الأولى؛ يتساءلون عن سر التسمية وصاحبتها، متمثلين بالقول: "هل لها من اسمها نصيب؟" (وهيلانة في الأساطير رمز للجمال الذي تُسيّر لأجله الجيوش).
وعند عتبات الجامعة، تفتّق جمالها وتألّق. أزالت حبة الكرز من وجهها، وهذّبت حاجبيها اللذين كانا يلتقيان كخط من خطوط الحزن، ووضعت أحمر الشفاه،
ولم تكن بحاجة لانتعال كعبٍ عالٍ لتبدو رفيعة، فقد رفعتها ثقتها بنفسها.
ولأن الجروح العميقة تترك ندوباً غير مرئية، فقد استعانت هيلانة بجلسات عند طبيب نفسي مختص، لتغسل عقلها من درن الماضي. وتجاوزت ذكرياتها المؤلمة، واستحالت عبستها الدائمة إلى ضحكة مدوية تهتز لها الجدران.
أنهت هيلانة دراستها الجامعية، وتزوجت من زميل لها فهم وعاء روحها، ورُزقت بستة من الأبناء، ربتهم بفيض العاطفة التي حُرمت منها. وأصبح شعارها الخالد في الحياة، والذي تلقنه لكل من تلتقيه:
"لا تسخر من أحدٍ مهما بدا في عينك صغيراً؛ فكلنا كالقمر، لدينا جانب مظلم لا يراه الآخرون. وأنت أيضاً لديك عيوبك، فما من بشر بيده مقاييس الكمال".

37