الصَّمْصَامَةُ وَالسَّاعِدُ
الصَّمْصَامَةُ وَالسَّاعِدُ
د. حمد الحبيشي
لما قدم الفارس عمرو بن معديكرب على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في المدينة، سأله عمر عن سيفه الصَّمْصَامَةِ الذي ذاع صيته بالمضاء والحدة، فناوله عمرو إياه، فلما جربه الفاروق، لم يجد فيه ما بلغه من وصف، فقال: "ما أرى فيه ما يقولون!"
فأجابه عمرو بحكمة بالغة: "يا أمير المؤمنين، إنما أعطيتك السيف، ولم أعطك السَّاعِدَ الذي يضرب به."
تلك درة من درر الحكم، تنبئ أن قوة الأداة مرهونة بقوة مستعملها، وإن صمصامة عصرنا - بلا مراء - الذَّكَاءُ الاصْطِنَاعِيُّ، يفيض بالعجائب لمن أتقن لغة الحوار معه، ويضن بكنوزه على من جهل أصول خطابه.
ولقد شهدنا في زماننا عجائب هذه الأداة، فمن الناس من سخرها لإنجاز ما كان يستغرق الشهور في ساعات، ومنهم من فتحت له آفاقا من الإبداع ما كان ليحلم بها، وفي المقابل رأينا من وقف حائرا أمامها، يشكو ضعفها وقلة نفعها، وما ذاك إلا لتفاوت الناس في إتقان فن التعامل معها.
وَلَكِنْ تَأْخُذُ الآذَانُ مِنْهُ ... عَلَى قَدْرِ القَرَائِحِ وَالعُلُومِ
فمن أحسن هَنْدَسَةَ أَوَامِرِهِ، ودقق في صياغة مطالبه، انفتحت له خزائن المعرفة، وتدفقت عليه ينابيع الحكمة، ومن أهمل ذلك الفن، رجع خائبا يلوم الأداة وقد يكون العيب فيه.
والعجب ممن يحكم بالقصور على هذا الذكاء، وإنما القصور في فهمه وأدواته.
وَكَمْ مِنْ عَائِبٍ قَوْلًا صَحِيحًا ... وَآفَتُهُ مِنَ الفَهْمِ السَّقِيمِ
فيا طالب الفضل والمعرفة، اعلم أن "هَنْدَسَةَ الأَوَامِرِ" هي ساعدك القوي الذي به تستخرج درر هذه الصَّمْصَامَةِ العَصْرِيَّةِ، فلا تتوان في تعلم أسرارها، ولا تستكثر وقتا تبذله في إتقان فنونها، فإن من أنفق يوما في تعلم أصولها، وفر شهورا في إنجاز أعماله، ومن صبر على اكتساب مهاراتها، فتحت له أبواب من الفرص ما كانت لتفتح لغيره.
وَمَا نَيْلُ المَطَالِبِ بِالتَّمَنِّي ... وَلَكِنْ تُؤْخَذُ الدُّنْيَا غِلَابَا
فأتقن صنعتك، وأحكم صياغتك، وارفق في مخاطبتك، وتعلم كيف تسأل وكيف توجه، وكيف تصوغ مطلبك بدقة ووضوح، وتتحقق من صحته، تظفر بما تريد وتبلغ ما تروم، وتكن من الذين يقودون ركب التقدم في هذا العصر، لا من الذين يقفون على الأطلال يندبون ما فاتهم.
وما التوفيق إلا من الله العلي القدير.

8