صمت الليالي
في صمتِ الليلِ المطبقِ، حيث ترتجفُ النجومُ على تخومِ الأفقِ البعيد، يلتفتُ الإنسانُ إلى ذاتِهِ كأنّه يلتقي بغريبٍ ألفَ وجهَهُ طويلاً ولم يَعرفهُ إلا حينَ انطفأت ضوضاءُ العالم.
يا لهذا الكائنِ العجيبِ! المجبولِ من طينِ الأرضِ ونفخةِ الخلودِ، والمحشورِ بين زمنينِ لا يملكُ منهما إلا ومضةً، كأنّها شرارةُ برقٍ تضيءُ حفرةً مظلمةً ثم تمضي. أليسَ العجبُ كلُّ العجبِ في أننا نبحثُ عن المعنى في خارطةِ الأيام، ونحنُ أنفسنا المعنى المُبهمُ الذي ينتظرُ مَنْ يقرؤهُ؟
نتأملُ في تقلبِ الأقدارِ؛ فنجدُ الحياةَ لوحةً سورياليةً تُنسجُ خيوطها من تناقضاتٍ صارخةٍ: فرحٌ يولدُ من رحمِ الأسى، ودمعةٌ تلمعُ في قلبِ الضحكةِ، وسلامٌ أزليٌّ يتسللُ إلى الروحِ وسط عاصفةِ الشكوكِ. وكأنّ الحكمةَ الكبرى كُتبت بحبرِ الفقدانِ، فلا نعرفُ قيمةَ الوجودِ إلا حينَ يلمسُنا طيفُ العدمِ، ولا ندركُ لحنَ الطمأنينةِ إلا بعد أن تتكسرَ أصواتُنا على صخورِ التساؤلِ المرير.
تلك هي الرحلةُ؛ ليست جمعاً للغنائمِ الفانيةِ، ولا تسابقاً نحو خطِ النهاية، بل هي عروجُ الروحِ في معارجِ الوعي، ووقفةُ تأملٍ أمام مرآةِ الكونِ لنرى انعكاسَ المطلقِ في تفاصيلنا الصغيرة.
3 مشاهدة