
مقال دقيقتان للقراءة
سيريالية مجنونة وفلسفة عاقلة
في غرفةٍ جدرانها تفرز العسل، وحيث السقف يعوم على مسافة شبرين من الأرض، يستيقظ الإنسان ليجد ظله معلقاً على مشجب الباب كمعطفٍ لم يُستخدم منذ الخريف الماضي. هنا، لا تتبع الدقائق عقاربها الحديدية، بل تتساقط كحبات الرمان الناضج، وكل حبة تنفجر لتكشف عن مدينة صغيرة يسكنها أشخاص يبحثون عن أسمائهم الضائعة في جيوب المارة.
إن الفلسفة التقليدية تُصرّ على أن الزمن خط مستقيم؛ خطٌ يقودنا من البداية المظلمة نحو النهاية المجهولة. لكن السيريالية، بصفتها ابنة شرعية للجنون العاقل، تقترح أن الزمن ليس خطاً، بل عجين رخو تُشكّله أصابع الغفوة. حين تتذكر طفولتك، هل تتذكر الماضي حقاً؟ أم أنك تبني غرفة جديدة في المستقبل وتفرشها بأثاثٍ أخذته قرابة عنوة من أحلام جدتك التي لم تولد بعد؟ في العالم السيريالي، الذاكرة ليست أرشيفاً، بل هي حديقة حيوانات خرافية؛ فيها غزلان من الزجاج تجري خلف فراشاتٍ مصنوعة من أرقام هاتف قديمة.
تأملْ ذلك الكرسي المتروك في منتصف الصحراء. لماذا هو هناك؟ إنه لا ينتظر أحداً يجلس عليه، بل يحاول تذّكر كيف كان شجرةً حين كانت جذوره تتعلم السباحة في الغيوم. هذا هو الاغتراب الفلسفي السيريالي: الأشياء تفقد وظائفها المادية لتكتشف أرواحها البرية. القلم لا يكتب الكلمات، بل يبصق فراشات سوداء؛ والنافذة لا تطل على الشارع، بل على رئة شخصٍ آخر يتنفس نيابة عنك بينما أنت غارق في التأمل.
في هذه المساحة الميتافيزيقية، ليست الجاذبية قانوناً فيزيائياً، بل هي حجم الحزن في صدرك. كلما زاد حزنك، كلما صرت أخف، وتركت الأرض لتلصق نفسك بسقف الغرفة متمسكاً بثريا تبكي بصمت. الفيلسوف هنا ليس مفكراً جالساً على مكتب، بل هو بهلوانٌ يمشي على حبلٍ غسيل مشدود بين أذنين بشريتين، يحاول أن يوازن بين حقيقة أن العالم غير معقول، وحقيقة أنه لا يوجد عالمٌ سواه.
إذا صادفتَ يوماً باباً في منتصف الطريق، لا تبحث عن مفتاحه في جيبك. المفتاح هناك، نائمٌ على وسادة من ريش الطاووس، ينتظر أن تقرعه بكتفِك الأيسر... لعلّك تدخل أخيراً إلى الغرفة التي كنت تسكنها قبل أن تولد.
