
مقال 3 دقائق للقراءة
الثقب الأسود في أقدس الغرائز:كيف تعيش الشخصية النرجسية دور "الأم"؟
نحن مبرمجون، بالفطرة والثقافة والتاريخ، على الاعتقاد الراسخ بأن "غريزة الأمومة" هي الحصن البشري الأخير الذي لا يسقط؛ نعتقد أن الأم قد تقسو على العالم بأسره، لكنها تذوب تضحيةً وحناناً أمام صغارها. لذلك
نحن مبرمجون، بالفطرة والثقافة والتاريخ، على الاعتقاد الراسخ بأن "غريزة الأمومة" هي الحصن البشري الأخير الذي لا يسقط؛ نعتقد أن الأم قد تقسو على العالم بأسره، لكنها تذوب تضحيةً وحناناً أمام صغارها. لذلك، حين يصطدم العقل السويّ بأمٍّ تتخلى عن مسؤولياتها بدمٍ بارد، أو تضع مصلحتها الشخصية فوق استقرار أبنائها، يُصاب بالذهول التام، وكأنه يشهد خرقاً لقوانين الطبيعة.
لكن الحقيقة النفسية الصادمة هي أن اضطراب الشخصية النرجسية يمثل "ثقباً أسود" قادراً على ابتلاع وتشويه أعتى الغرائز البيولوجية. النرجسية لا تُميت الأمومة، بل تسطو عليها، وتعيد تشكيلها لتجعلها تدور بالكامل في فلك "الأنا". فكيف ترى الأم النرجسية أبناءها؟ وكيف تمارس دورها؟
١. الأبناء كـ "امتداد للأنا" لا كأرواح مستقلة
في الأمومة السوية، تنظر الأم إلى طفلها كروحٍ حرة مستقلة، جاءت إلى الحياة من خلالها، وتستحق الحب غير المشروط حتى وإن اختلفت عن توقعاتها. أما الأم النرجسية، فلا ترى في أبنائها كيانات منفصلة، بل تعتبرهم "أعضاء إضافية" في جسدها، أو "مقتنياتٍ" وظيفية.
لا تكمن وظيفة الطفل في عقلها في أن ينمو بحرية، بل في أن يخدم صورتها الاجتماعية. إذا كان الطفل مطيعاً، ولامعاً، ويُظهرها أمام الناس كـ "أم مثالية"، منحته حباً استعراضياً كثيفاً. أما إذا تحول الطفل إلى "عبء" يتطلب جهداً صامتاً، أو عائقاً يقف أمام رغباتها وحريتها الفردية، فإن عقلها يجرّده من قيمته، وقد تتخلى عن مسؤولياته دون أن تشعر بوخزة ضمير.
٢. التضاد الحتمي: إنكار الذات مقابل تضخّم الذات
جوهر الأمومة الحقيقية يكمن في "إنكار الذات"؛ فالأم السوية تجوع ليشبع طفلها، وتتوارى في الظل ليشرق هو. وفي المقابل، فإن جوهر النرجسية هو "التمركز المطلق حول الذات". وهذان النقيضان لا يمكن أن يسكنا في صدرٍ واحد بسلام.
حين تقف الشخصية النرجسية في مفترق طرق بين: (التضحية بالوقت والجهد والمال لرعاية الأبناء) وبين (تحقيق رغبة شخصية في التحرر والرفاهية)، ينتصر "تضخم الذات" بضربة قاضية. فالجهاز النفسي للنرجسي معطّلٌ عن معالجة أي ألمٍ أو تضحية لا تعود عليه بمنفعة مباشرة أو "دوبامين" فوري.
٣. أمومة "خشبة المسرح"
وهذا ما يفسر المفارقة الغريبة في سلوكياتها؛ إذ قد تبدو أحياناً شغوفة ومهتمة جداً في المناسبات العلنية. هي تمارس ما يُعرف بـ "الأمومة الانتقائية أو الاستعراضية". تحب أن تلعب دور الأم في اللحظات الممتعة، أمام الكاميرات، أو في التجمعات العائلية حيث يتوفر التصفيق والإعجاب. لكن بمجرد أن تُسدل الستارة، وتدق ساعة الواجب الثقيل —من سهر، ومتابعة يومية، وتلبية احتياجات صامتة— تنسحب فوراً، وتُلقي بالعمل الشاق على كاهل الشريك الآخر؛ لأن العمل الشاق في الكواليس لا يحظى بتصفيق الجماهير.
٤. التسليع النفسي: الطفولة كدرع وسلاح
الأم السوية هي التي تقف سداً منيعاً لحماية أطفالها من صراعات الكبار ومشاكلهم. أما العقل النرجسي، فلا يتردد لحظة في استخدام الأطفال كـ "أسلحة استراتيجية" أو "دروع بشرية".
عند نشوب الخلافات الزوجية أو الانفصال، لا تتورع الأم النرجسية عن وضع أبنائها في "صراع ولاء" قاهر؛ قد تلقّنهم الأكاذيب، أو تزرع فيهم الشعور بالشفقة تجاهها، أو تستخدمهم كورقة ضغط للحصول على مكاسب مادية وقانونية. هي تدوس على براءة فطرتهم لأنها في لحظة المعركة لا تراهم كأطفال يحتاجون للأمان، بل كبيادق على رقعة شطرنج تُحرّكها لحماية مصالحها.
كيف تنام قريرة العين؟
السؤال الذي يحرق قلوب من يراقبون هذا المشهد: كيف يمكن لأم تتخلى عن مسؤوليات أبنائها أن تنام الليل مرتاحة البال؟
الجواب يكمن في شقين: الأول هو الافتقار البنيوي لـ "التعاطف الوجداني" (Empathy) الذي يميّز هذا الاضطراب. والثاني —وهو الأهم— أنها غالباً ما تعتمد على وجود طرفٍ آخر "مسؤول وأصيل" (كالأب، أو الجدة). هي تتخلى عن دورها ببرود لأنها تدرك في قرارة نفسها أن هناك من سيلتقط العبء ولن يترك الأطفال للضياع. يقينها بوجود المروءة في الطرف الآخر هو الذي يمنحها ترف التخلي عن أمومتها بأمان.
خلاصة القول..
رؤية الفطرة وهي تُشوّه هو مشهد يبعث على الأسى، لكن إدراك التركيبة النفسية لهذا الاضطراب هو أول خطوات التعافي لمن يدفعون الثمن. وفي نهاية المطاف، الأبناء يمتلكون "راداراً وجدانياً" لا يُخدع إلى الأبد؛ فهم يكبرون، وتتسع مداركهم، وسيعرفون بالدليل القاطع مَن الذي اختار خفة الهروب إلى ذاته، ومَن الذي دفع من دمه وعمره ليكون لهم الجدار الذي لا يميل.
