أحاديث المطر
ما إن هطلت السماء حتى استشعرتُ في قراراة نفسي نداءً قديمًا؛ نداءَ المطر حين يلامس الأرض، فيوقظ في ثراها حكاياتٍ ظنّت أنها رقدت إلى الأبد.
تساقطت القطرات على زجاج النافذة، وانحدرت في مساراتٍ متعرّجة تماثل طرقاتِ العمر حين تتشعّب بنا، ثم تعيدنا، على حين غفلة، إلى المنازل الأولى التي خلّفنا فيها أجزاءً من أرواحنا. جلستُ أراقبها في سكون المساء، أتعقّب حركتها بعينين تحرسهما ذكرياتٌ شتّى، فأحسستُ بالسماء تفتح خزائن الذاكرة قطرةً فقطرة؛ لتنساب منها وجوهٌ أحببناها، وأصواتٌ ما برحت تعيش في أعماقنا، وأيامٌ مضت وبقي عطرها عالقًا في ثنايا الروح.
كان للمطر ذلك المساء صوتٌ يشبه الحنان، ورائحةٌ تعيدني إلى طفلةٍ قديمة تسكنني؛ طفلةٍ كانت تفرح بالغيم، وتنتظر أول قطرٍ كأنه هبةٌ من العلاء، وتظنّ العالم -مهما اتّسع- مكاناً آمنًا ما دام ثمة يدٌ تحبّها، ونافذةٌ تطلّ منها، وقلبٌ يترقب عودتها.
آهٍ من الذاكرة حين تستيقظ مع المطر! تفتح أبوابًا أحكمت الأيام إغلاقها، وتردّ إلينا تفاصيل حسبناها تلاشت؛ عبق البيوت العتيقة، دفء اللقاءات العائلية، ضحكاتٍ تملأ الأمسيات، وأشخاصًا غادروا أماكنهم، غير أنهم ظلّوا مقيمين فينا، يطلّون من أبسط الأشياء؛ من فنجان قهوة، ومن أغنية عابرة، ومن غيمةٍ تشبه تلك التي كانت تعبر سماء طفولتنا.
خلف الزجاج، بدت الشوارع غارقةً في لمعانٍ شجيّ، وتدلّت قطرات الماء على أطراف الأشجار كحبّات لؤلؤٍ ضلّتها السماء فوق أوراقها. أما البيوت، فقد أضاءت نوافذها بلونٍ ذهبيّ دافئ، فخيّل إليّ أن لكل نافذة حكاية، ولكل ضوءٍ قلبًا ينتظر إنسانًا، ولكل مساءٍ غائم سرًّا صغيرًا يكتمه عن العابرين.
مددتُ يدي نحو الزجاج، وتمنّيتُ لو أستطيع لمس الغيم، لو أعبر تلك المسافة الشفافة فأصل إلى مرسىً تستريح فيه الأرواح المتعبة، وتلتقي القلوب التي فرّقتها الخطوب، وتعود الكلمات التي تأخرت كثيرًا عن ميقاتها.
كم تشبه تلك النافذة حياتنا! نرى خلفها أشياء نحبّها، ونشعر بقربها، ومع ذلك تفصلنا عنها مسافات لا تقاس بالخطوات؛ أحيانًا يكون الحاجز ذكرى، وأحيانًا غيابًا، وتارةً كلمةً لم تجد طريقها إلى صاحبها، فبقيت معلّقةً بين القلب والشفاه، تحمل من الشوق ما تعجز عنه المطولات.
ومع استمرار المطر، أخذتُ أشعر بأن شيئًا في داخلي يلين. كأن كل قطرةٍ تسقط فوق الثرى تنتزع من صدري قبضةً من الشجن، وتمنحني فضاءً أوسع للتنفّس. زهدتُ في مقاومة تلك المشاعر التي ازدحمت بي، وتركتُها تمرّ كما تمرّ السحب فوق المدن، تنساب المياه في الطرقات حاملةً غبارًا قديمًا، لتكشف عما تحتها من ملامح أرضٍ متجددة.
ربما يحتاج القلب أحيانًا إلى مساءٍ كهذا؛ مساءٍ يتيح له وضع أثقاله جانبًا، والاعتراف بتعبه بلا خجل، واستعادة دموعٍ حبسها طويلًا خلف ابتسامةٍ مطمئنة. فثمّة أحزان تعزّ عن كلمات المواساة، بل تطلب لحظة صدقٍ، ونافذةً مفتوحة على السماء، ومطرًا يجيد الإصغاء.
يا مطر، تمهّل قليلًا...
ما زالت في روحي حكاياتٌ أودّ بثّها، وأسماءٌ أحبّ أن أطوف حولها بحنان، وذكرياتٌ أخشى أن يمحوها صاخب الحياة. خذني إلى الأيام التي كان الفرح فيها بكرًا، والسعادة تأتي من اجتماع الأحبة حول مائدة واحدة، ومن صوتٍ ينادينا بوله، ومن مساءٍ طويلٍ لا نستعجل نهايته.
أعد إليّ شيئًا من دهشة البدايات، وبراءةِ القلب حين كان يمنح ثقته بسخاء، وذلك اليقين الجميل بأن الغد يحمل دائمًا فرصةً أخرى للسرور. دعني أستعيد ضحكاتٍ بعيدة، وأعانق في خيالي من اشتقت إليهم، وأجلس قليلًا إلى جوار من غابوا عن عيني، وظلّوا في وجداني أقرب من كل حاضر.
ظلّ المطر يهطل، حتى خُيّل إليّ أن السماء تشاركني البوح، وأن قطراتها رسائل رقيقة أرسلها الغيم إلى أرضٍ أثقلها الجفاف. وكلما انحدرت قطرةٌ على الزجاج، رأيت فيها معنى مغايرًا؛ تارةً دمعةً، وتارةً وعدًا، وأخرى اعتذارًا رقيقًا عن قسوة أيامٍ مرّت بلا نصيبٍ كافٍ لنقول ما نشعر به حقًا.
ثمّ بدأت السماء تهدأ.
خفّ وقع القطرات، وتباعدت أصواتها تدريجيًا، حتى صار المطر خيطًا رفيعًا ينساب على حواف النافذة. وانفرج الغيم عن ضوءٍ شاحب، أخذ يتسلل إلى المكان برفق، كزائرٍ يخشى إيقاظ قلبٍ أنهكه السهر.
فتحتُ النافذة قليلًا، فاندفع الهواء البارد محمّلًا برائحة التراب المبتلّ. استقبلته بعمق، وشعرتُ بأن صدري يتّسع لسكينةٍ غامرة. كان الشارع هادئًا، والأشجار تلمع أوراقها تحت الضوء، والعصافير تعود إلى أغصانها بخفّة، كأنها تستأنف يومًا جديدًا بعد استراحة قصيرة من الغياب.
تأملتُ الأرض التي ارتوت، وفكرتُ في قدرتها العجيبة على استقبال المطر مهما طال انحباسه، وفي الأشجار التي تظلّ متمسكةً بجذورها حتى حين تجفّ أغصانها، وفي البذور الصغيرة المختبئة تحت التراب تنتظر لحظتها كي تشقّ طريقها نحو النور.
كم نحتاج إلى تعلّم هذا المعنى!
أن نمنح أرواحنا فرصةً للنهوض، وأن نرفق بقلوبنا حين تتعب، وأن نصدّق أن الحزن -مهما امتدّ- يترك فينا متّسعًا لفرحٍ جديد. وأن التسامح راحةٌ نهديها لأنفسنا قبل الآخرين، وأن الحنين، حين يسكن قلبًا وفيًّا، يصبح جسرًا يصل حاضرنا بأجمل ما عشنا، ويذكّرنا بأن المحبة الصادقة تتجاوز حدود الزمن والغياب.
لم يُعِدِ المطر ما مضى، ولم تتبدّل حكاياتي القديمة، غير أن شيئًا من السكينة استقرّ في أعماقي. أدركتُ أن بعض الوجع يحتاج إلى أن يُعاش بهدوء لتخفّ حدّته، وأن الذكريات، مهما أثقلت القلب، تظلّ جزءًا من جماله، وأن ما منحناه من حبّ حقيقيّ يستحق التذكّر بامتنان، حتى حين يختلط تذكّره بالدموع.
ابتسمتُ وأنا أرفع عيني إلى السماء. كانت الغيوم تنسحب ببطء، تاركةً وراءها فسحةً من الضوء، وشعرتُ أن المساء، الذي بدأ مثقلًا بالحنين، ينتهي بمصالحةٍ هادئة مع الحياة.
ربما لهذا أحبّ المطر؛ فهو يمنحني فرصةً لأصغي إلى نفسي بعيدًا عن ضجيج العالم, وأستعيد ما بعثرته الأيام في داخلي، وأتذكر أن القلب -مهما حمل من الفقد- يظلّ قادرًا على الحب، وأن الروح -مهما أرهقها الانتظار- تستطيع أن تستقبل الطمانينة متى وجدت إليها سبيلًا.
يا مطر الطفولة، يا رفيق الأمسيات القديمة، أشكر مرورك بقلبي كما مررتَ بالأرض، فقد تركتَ في أعماقه شيئًا من النقاء. أشكرُ لحظةً أتصالح فيها مع ذكرياتي، وأربّت فيها على كتف أحزاني، وأسمح لنفسي بأن أشتاق بلا اعتذار، وأن أبكي دون أن أعدّ دموعي هزيمة، وأن أبتسم للحياة رغم كل ما أخذته مني.
وحين انقشع الغيم، أدركتُ أن أجمل ما يتركه المطر خلفه ليس الأرض اللامعة فحسب، بل ذلك الضوء الخافت الذي يوقظه في أعماقنا؛ ضوءٌ يخبرنا، برفقٍ يشبه الدعاء، أن القلب الذي عرف الحزن ما زال جديرًا بالطمأنينة، وأن وراء كل مساءٍ مثقلٍ بالغيوم فسحةً تنتظر أن نرفع إليها أعيننا.
#شخبطة_مشاعر
#شرين_شوقي_عامر

1 مشاهدة