طبيبُ الروحِ الخفيّ
ثمّة أوجاعٌ تسكن أعماقنا، تعجز الأدوية عن ملامستها، وتظلّ الكلمات قاصرةً عن بلوغ مواضعها في القلب. أوجاعٌ تتسلّل إلينا مع تراكم الأيام، وتستقرّ في زوايا الروح، فتترك فينا ضجيجًا مكتومًا، وإرهاقًا تحجبه ملامحنا، وحاجةً عميقة إلى هدنةٍ نستردّ فيها شيئًا من سلامنا المفقود. وحين تتكاثر العواصف في داخلي، وتضيق مساحات الاحتمال، أبحث عن ركني الهادئ، عن عالمي الصغير الذي أستطيع فيه خلع أثقال قلبي، وترك روحي تستريح من عناء التماسك الطويل.
هناك، في دفء مخدعي، حيث الألفة تسكن التفاصيل، أنتظر رفيقي الذي طالما أنقذني من شرود الحزن، وصاحبني في ساعات الصمت، واحتواني بغير سؤال. أمدّ يدي إلى إبرةٍ رشيقة، وأجمع خيوطي بألوانها المحببة؛ ورديٍّ يشبه خجل الزهور في أول الصباح، وأبيضَ نقيٍّ يذكّرني بصفحاتٍ لم تكتبها الأحزان بعد، وأخضرَ عشبيٍّ يحمل شيئًا من طمأنينة الحقول وراحة النظر إلى اتساع الحياة. أرتّب كرات الخيوط حولي، وأختار ما يلائم مزاج قلبي، ثم أبدأ رحلتي الصغيرة مع الكروشيه، وكأنني أفتح نافذةً سرية تطلّ على عالمٍ أكثر رفقًا وأمانًا.
الكروشيه بالنسبة إليّ حكايةُ نجاةٍ تُكتب بالإبرة، وتُروى بالخيوط، وتُحفظ في القلب.
حين ألتقط الإبرة بين أصابعي، أشعر باستعادة زمام نفسي شيئًا فشيئًا. تتعاقب الغرز في انتظامٍ حميم، وتنساب الحركة بين يديّ بإيقاعٍ يهدّئ اضطرابي، حتى يغدو كل شيء حولي أقلّ صخبًا، وأخفّ وطأةً على صدري. أراقب الخيط وهو يعبر بين أصابعي، يلتفّ حول الإبرة، ثم يستقرّ في موضعه، فتتكوّن من وحداته الصغيرة ملامح عملٍ جديد. وفي كل مرةٍ أرى فيها قطعةً تنمو أمام عينيّ، أشعر بأن داخلي يستعيد قدرته على الترتيب، وأن الفوضى التي اجتاحت أفكاري تبدأ في الانحسار، تاركةً خلفها مساحةً أرحب للتنفّس.
ما أعجب هذه الهواية التي تمنح اليدين عملًا، والعقل استراحة، والروح فسحةً من الحنان! تمنحني وقتي كاملًا، وتتركني أعبّر عمّا يعجز اللسان عن بوحه بطريقتي الخاصة. وبين غرزةٍ وأخرى، تتراجع حدة الأفكار التي أثقلتني، وتخفت أصوات الذكريات المتزاحمة، فأجدني أكثر قربًا من نفسي، وأكثر قدرةً على الإصغاء إلى ذلك الصوت الداخلي الذي يضيع وسط مشاغل الحياة.
ولعلّ أجمل ما في الكروشيه أنه يعلّمني الصبر، ويذكّرني بأن الأشياء الجميلة تحتاج إلى وقتٍ ورعاية، وأن الوصول إلى النهاية يبدأ دائمًا بخطوةٍ صغيرة. غرزةٌ واحدة تبدو ضئيلةً في أول الأمر، ثم تلحق بها أختها، وتتبعها أخرى، حتى يتشكّل من هذا التتابع البسيط شيءٌ يستحق التأمل. وهكذا هي أرواحنا أيضًا؛ تحتاج إلى لحظاتٍ من الرفق، ومحاولاتٍ متكررة للتماسك، ومساحةٍ نسمح فيها لأنفسنا بالتعافي بعيدًا عن أعين الآخرين.
أحيانًا أفكّ غرزةً أخطأت موضعها، وأعيدها بهدوء، ممتلئةً بالرضا عن نفسي وسعة الصدر للمحاولة. أتأمل الخيط وهو يعود إلى هيئته الأولى، ثم أبدأ من جديد، فأدرك أن الخطأ مجرّد تفصيلٍ عابر في طريق الإتقان، وأن الرجوع خطوةً إلى الوراء يمثل الطريق الأقصر نحو نتيجةٍ أجمل. كم تمنيت ملكة هذه البساطة ذاتها أمام متاعب الحياة! أن أستطيع فكّ عقدةٍ أرهقتني، وإعادة ترتيب بعض التفاصيل، والتخفّف من كل ما تشابك في صدري حتى صار الوصول إلى الراحة يطلب جهدًا مضاعفًا.
ومع ذلك، تمنحني الإبرة درسًا آخر؛ فثمّة خيوطٌ إذا شُدّت أكثر من اللازم فقدت مرونتها، وثمّة غرزٌ تحتاج إلى اتساعٍ محسوب حتى يستقيم شكلها. حتى العمل الجميل يحتاج إلى التوازن، وإلى يدٍ تعرف متى تشدّ ومتى ترخي، ومتى تواصل ومتى تتوقف قليلًا لاستعادة قدرتها على الإبداع. أجد في تلك التفاصيل الصغيرة حكمةً تشبهني، وتلامس ما تعلّمته من الأيام عن القلوب والعلاقات، وعن ضرورة معاملة أنفسنا باللين الممنوح للآخرين.
وحين أختار خيوطي، أشعر باختيار شيئًا من مزاجي، ومن ذكرياتي، ومن أمنياتي التي تحتفظ بمكانها في أعماقي. للورديّ رقةٌ تشبه الكلمات المحبوبة، وللأبيض صفاءٌ تريده الروح كلما ازدحمت بالهموم، وللأخضر راحةٌ تذكّرني بأن الحياة، مهما أثقلتنا، تخبّئ لنا لحظاتٍ تستحق الانتظار. أضمّ هذه الألوان معًا، وأمنحها من وقتي واهتمامي، حتى تتحوّل إلى مفارش صغيرة، أو ورودٍ منسوجة، أو قطعٍ أضع فيها شيئًا من ذوقي ووجداني، فتغدو أقرب إلى رسائل صامتة تحمل بصمتي.
وقد تكون قطعة الكروشيه هديةً أقدّمها إلى شخصٍ أحبّه، فأنا أعرف أن الأشياء المصنوعة باليد تحمل من روح صانعها ما يعجز عن نقله سواه. في كل غرزةٍ وقتٌ اقتطعته من يومي، وفي كل لونٍ اختيارٌ مرّ بخاطري، وفي كل تفصيلةٍ عنايةٌ خالصة. أقدّمها بمحبة، وأتمنى وصول دفئها إلى اليد التي تتلقاها، لتمنح صاحبها شعورًا لطيفًا بوجود قلبٍ فكّر فيه، وانشغل بتفاصيله، وصنع له شيئًا خصيصًا من أجل ابتسامةٍ تستحق العناء.
أما أنا، فأجد في كل عملٍ أنجزه فرحةً هادئة. يكفيني تأمل ما صنعته يداي، ورؤية الخيوط المتفرقة وقد أصبحت قطعةً متناسقة، تحمل ملامح فكرةٍ بدأت صغيرةً ثم اتسعت حتى اكتملت. عندها أمتن عميقًا لتلك القدرة الممنوحة لي؛ قدرةٍ تجعلني أخلق من البساطة جمالًا، ومن الوقت شيئًا ملموسًا، ومن لحظات وحدتي رفقةً دافئة أعود منها أخفّ روحًا وأكثر تصالحًا مع ذاتي.
إنه طبيبي الخفيّ الذي لا يرتدي معطفًا أبيض، ولا يحمل حقيبةً من الأدوية، وإنما يسكن في سلة خيوط، وبين أصابع تعرف كيف تصنع من الالتفافات المتكررة شكلًا جديدًا للحياة. يستقبل تعبي بصمت، ويمنحني من سكينته ما يكفي لمواصلة يومي، ويتركني أعود إلى العالم بملامح هادئة، حتى وإن بقيت بعض الهموم معلّقةً في أعماقي. فهو يهبني ركنًا أستطيع فيه الاستراحة، واستعادة قدرتي على مواجهة المتاعب بقلبٍ أكثر اتزانًا.
ولعلّ السرّ يكمن في تلك اللحظات التي أنسى فيها مراقبة الساعة، وأغيب عن حساب الوقت، فلا أشعر إلا بالخيط يتحرك بين يديّ، وبقطعةٍ جديدة تقترب من اكتمالها. يتراجع العالم إلى مسافةٍ بعيدة، وتصبح الغرزة التالية كل ما يحتاج عقدي إلى التفكير فيه، فأعيش الحاضر بكل تفاصيله، بعيدًا عن أثقال الأمس ومخاوف الغد. أكتشف أن الطمأنينة تأتي في صورةٍ متواضعة، وأن السعادة تختبئ داخل سلةٍ صغيرة، تنتظر يدًا حنونة تلتقط خيوطها وتمنحها فرصةً لتصبح شيئًا جميلًا.
وحين أضع الإبرة جانبًا بعد ساعاتٍ من العمل، وأمرّر أصابعي فوق الغرز المتراصة، أشعر بلمس أثر رحلةٍ خضتها مع نفسي. كل عقدةٍ تم تجاوزها، وكل خطأٍ جرى إصلاحه، وكل تفصيلةٍ صغيرة أُنجزت بصبر، تترك في داخلي أثرًا يشبه الرضا. وربما لهذا أحبّ الكروشيه؛ فهو يمنحني شعورًا بأن يديّ ما زالتا قادرتين على صنع الجمال، وأن في أعماقي مساحةً خصبة تستقبل الألوان، وتحتفظ بالدهشة، وتقاوم جفاف الأيام بطريقتها الرقيقة.
شكرًا لإبرةٍ صغيرةٍ رافقتني حين أثقلتني الحياة، ولخيوطٍ احتوت صمتي، ولغرزٍ متتابعة أعادت إلى لحظاتي النظام والسكينة. شكرًا لكل قطعةٍ خرجت من بين يديّ وهي تحمل جزءًا من قلبي، ولكل لونٍ أضاء ركنًا معتمًا في يومي، ولكل ساعةٍ قضيتها في صحبة هذا العالم المحبوب، فوجدت فيه راحةً تتسلّل إلى الروح برفق.
سأظلّ أعود إلى خيوطي كلما احتجت إلى مصالحة العالم في داخلي، وسأظلّ أؤمن بأن للجمال أبوابًا صغيرةً قد تمرّ بها أرواحنا دون انتباه. أما بابي أنا، فمفتاحه إبرةٌ رشيقة، وسلةٌ عامرة بالألوان، وقلبٌ يحبّ صنع حكاياتٍ من الأشياء البسيطة.
أنا شرين، امرأةٌ تجد في الخيوط متّسعًا للروح، وفي الغرز حكايةً للسكينة، وفي كل قطعةٍ تنسجها بيديها سببًا جديدًا لحب الحياة، ولو من نافذةٍ صغيرة تطلّ على عالمٍ من الألوان والحنان.
#شرين_شوقي_عامر
#شخبطة_مشاعر
#كروشيهات_العامرية


1/2
4 مشاهدة