
مقال دقيقتان للقراءة
لماذا ندعم أصدقائنا ونتجاهل المبدعين؟
تشهد منصات التواصل الاجتماعي اليوم تحولاً لافتاً في طبيعة التفاعل الإنساني، فبدل أن تفتح هذه الفضاءات آفاقاً أوسع للتواصل العابر للحدود نجدها تتقوقع تدريجياً داخل "فقاعات مغلقة" أو ما يُعرف بـ "الشلليات الرقمية". وتتجلى هذه الظاهرة بأوضح صورها في ظاهرة "الشلية في التعليقات"؛ حيث تقتصر التفاعلات الحية والدعم المعنوي على دائرة ضيقة ومحددة مسبقاً من الأصدقاء المقربين أو المعارف الشخصيين، بغض النظر عن القيمة الحقيقية أو الجودة الموضوعية لما يُنشر. فحين يتصفح المرء مواقع التواصل، يلحظ بسهولة نمطاً متكرراً ومنشورات عادية جداً أو حتى فارغة من أي محتوى حقيقي تنهال عليها عشرات التعليقات والثناءات لمجرد أنها صُنعت داخل نطاق "الشلية"، بينما ينشر شخص آخر محتوى غنياً، مفيداً، أو إبداعياً، فيقابل بصمت مطبق أو "تهميش ممنهج" لمجرد أنه يغرد خارج السرب أو لا ينتمي إلى تلك الدائرة المغلقة. هذا السلوك يخلق شعوراً بالاحباط لدى المبدعين والمستقلين الذين يعتقدون خطأً أن الجودة هي وحدها ما يجذب الانتباة والتقدير في العالم الرقمي. هنا يخضرني سؤال: لماذا يقع الكثيرون في فخ دعم الصديق بغض النظر عن المضمون، وتجاهل الغريب حتى لو أبدع؟
ولدي عدة أجوبة
أولا:
الأمان النفسي والانتماء: تميل النفس البشرية بطبيعتها إلى البحث عن الألفة والدعم العاطفي ضمن مجموعات آمنة، وربما التعليق لمن نعرفهم يمنح شعوراً بالانتماء والمجاملة المتبادلة ("أنا أعلق لك لتعلق لي")
ثانيا:
الخوف من النطاق المجهول فقد يتردد البعض في التفاعل مع حسابات أشخاص لا يعرفونهم خوفاً من سوء فهم أو تفادياً للخروج عن المألوف الاجتماعي في محيطهم الرقمي.
ثالثا: الخوارزميات كشريك حيث تسهم خوارزميات المنصات في تعزيز هذه الظاهرة، فهي تعرض لك منشورات أصدقائك المقربين بشكل متكرر، مما يقلل من فرص رؤيتك لمحتوى الآخرين من خارج الدائرة. وبناء على ما ورد فإن ترسيخ ثقافة "الشلية" وتهميش الطاقات والأصوات الجديدة الخارجة عن الدائرة يترك آثاراً سلبية واضحة منها: فقر المحتوى إذ عندما يُكافأ الشخص على محتوى ضعيف لمجرد هويته، ويهمش الآخر على محتوى قيم لمجرد غرابته، فإننا نساهم في انحدار المستوى العام للمحتوى الرقمي. وأيضا قتل الشغف الذي يفقد المنصات رونقها التفاعلي الحقيقي لتتحول إلى مجالس مغلقة ومملة تفتقر إلى التنوع الفكري والتبادل الثقافي. إن مواقع التواصل الاجتماعي وجدت لتكون جسوراً لا جدراناً. وحين نتجاوز حدود "الشلية الضيقة" لنقدر الكلمة الطيبة، والفكرة الذكية، والمحتوى الراقي أينما وجد، فإننا لا نثري صفحاتنا فحسب، بل نساهم في بناء بيئة رقمية أكثر عدالة وجمالاً، تُقاس فيها القيمة بما يُكتب لا بمن يكتبه.
أشكر لكم تفاعلكم ودمتم بخير
