
مقال دقيقتان للقراءة
الأبعاد الوجودية والعبثية
الزمن ليسَ سوىٰ مقبرة صامتة ندفن فيها أيامنا، والعبث كل العبث أن نُحاول إيقافه، بل الشجاعةُ كل الشجاعة أن نبتكر معنًىٰ لوجودنا في حضرة العدم.
صراعاً صامتاً مستمراً مع الأيام، حيثُ يبدو الزمن وكأنه يدفن نفسه بنفسه، في إسقاط بليغ علىٰ فكرة الفناء، وإنتهاء العــمر، وعبثية محاولات السيطرة علىٰ الزمن أو إيقافه؛ إن الإنسان ليقفُ مشدوهاً أمام مرآة الوجود، مُتأملاً ذلك الإنسياب الخفي للثواني والدقائق كحبات رمل تفرُّ مِنْ بينَ الأصابع بلا مُبالاة ليُدرك منذ اللحظات الأولىٰ لوعيه أن المعركة الأزلية التي يخوضها مع الزمن ليستْ سوىٰ صراع صامت مُستمر مع الأيام التي تبتلع نفسها بنفسها في حركة دائرية صماء!/ هذا الزمن الذي نتوههم أننا نملكه، ونقسّمه إلىٰ خطط وأعمار وأحلام مؤجلة، ليسَ في حقيقته سوىٰ مقبرة كبرىٰ يدفن فيها الزمنُ نفسه بنفسه، في إسقاط بليغ علىٰ فكرة الفناء المحتوم وإنتهاء الأعمار التي تتساقط كأوراق الشهر في خريف العمر دون أن تترك خلفها سوىٰ صدىٰ خافت لأسئلة لا تجد إجابة. تتبدّىٰ هنا عبثية المحاولات البشرية الحثيثة للسيطرة علىٰ هذا التدفق الجارف أو محاولة إيقافه أو ترويضه، فكل سعي لتخليد اللحظة أو القبض علىٰ جوهر الأيام يرتدّ علىٰ صاحبه خيبةً مرة، لأن الزمن بطبيعته لا يعبأ بالبشر ولا يحفل بنداءاتهم، بل يمضي قدماً في عبثيته المُطلقة مُحيلاً/ كل إنجازاتنا ومخاوفنا إلىٰ هباء منثور. في هذا الفضاء الفلسفي المُظلم، يجد الوجود الإنساني نفسه محشوراً بينَ حدين قاسيينْ رغبة عميقة في المعنىٰ والخلود، وواقع صلب يُعلن في كل ثانية زوال كل شيء بلا إستثناء مما يخلق ذلك التوتر الوجودي القاتل الذي أشارُ إليهِ أساطيرُ العبث ومفكروه. إننا حينَ نراقب عقارب الساعة وهي تدور بلا هُدًى، فإننا لا نراقب مُجردَّ آلة تحسب الوقت، بل نرىٰ سجاناً خفياً يُحصي أنفاسنا ويمحو آثارنا تدريجياً، ليُعلمنا أن الوجود بحد ذاته ليس هبةً مجانية بل هو لغز محيّر ومواجهة يومية مع العدم. وحينَ تتكشف لنا هشاشة هذه الأعمار القصيرة أمام هول الخلود الكوني، ينبثق السؤال الوجودي الأعمق عَنْ جدوىٰ كل هذا العناء، وعنْ سبب ذلك الشغف الإنساني المستميت لبناء الحضارات وصياغة الآمال فوق رمال متحركة توشك أن تبتلع كل شيء. ربما لا تكمنُ الإجابة في الهروب مِنْ حقيقة الفناء أو في محاولة السيطرة المستحيلة علىٰ الزمن، بل في شجاعة الإعتراف بهذا العثور والوقوف وجهاً لوجه أمام عبثية الأيام، لنصنع لأنفسنا معنىً خاصاً ولو كان مؤقتاً، في قلب عالم أصمّ لا يكترث بوجودنا ولا بغيابنا، ليبقىٰ الصراع مُستمراً، صامتاً، وموجعاً حتىٰ التلاشي الأخير.//
#إيالاڤيا #مجتمع #لاڤينيا_عيسىٰ
