خارج دائرة الزمن
الوقت.. هذا الكائن الهلامي المخادع
ليس له ملمس نمسكه به ولا ملامح نحدق فيها لكنه يترك أثره الخفي في تجاعيد الوجوه وفي عمق الذاكرة
حين نتحرر من توقيت الآلة نبدأ في سماع توقيتنا الداخلي .. نبض القلوب وتدفق المشاعر وعفوية الحياة التي لا يمكن لتروس الساعة الباردة أن تستوعبها أو تقيسها فلم تكن الساعة يوما مجرد أداة لتنظيم المواعيد بل كانت طوقاً غير مرئي نكبل به معاصمنا لنعلن ولائنا لزمن ميكانيكي بارد لا يعرف الرحمة
ولا نملك أمامه إلا أن نكف عن محاربته ونبدأ في مرافقته مستسلمين لتدفقه الغامض دون أن نجرؤ على قتله بحساباتنا الضيقة
ولقد اختصر الشاعر العراقي حيدرة السوداني ما حاول الفلاسفة شرحه في مجلدات فقال:
"ما عُدتُ ألبسُ ساعةً في معصمي
كي لا تموتَ على يدي أوقاتي"
لم يكن الشاعر يعلن التخلي عن إكسسوار مادي بل كان يكتب بيان التحرر الوجودي الأجمل
إنه يعلن العصيان ضد زمن الآلة البارد وينحاز إلى الزمن النفسي ذلك الذي يقاس بعمق الوعي و بنبضات القلب وبلوعة الانتظار أو بهجة اللقاء
إن النظر المستمر إلى الساعة هو اغتيال للزمن مع سبق الإصرار والترصد لعفوية الحاضر فعندما نؤطر اللحظة ببداية ونهاية نقتلها في مهدها ونصبح أسرى لما سيأتي بعدها أو نبقى باهتين فيما مضى ويفوتنا دائما سحر الآن
بدون هذا القيد المجازي تتمدد اللحظة لتصبح أبدية وتتحول الدقائق إلى مساحات شاسعة من الحرية لا يحدها سقف ولا يضبطها إيقاع
هذا التخلي يعني أن تسترد سيادتك على وعيك وتكف عن كونك ترساً في ماكينة الحياة الحديثة السريعة
إنه الممر السري لكي تعيش الوقت لا أن تحسبه ولكي تنقذ أوقاتك من أن تموت مخنوقة بين العقارب على معصمك
وفي الأخير هل نحن حقاً من نملك الوقت وننظمه بتلك الآلات الصامتة فوق معاصمنا؟ أم أننا وفي كل مرة نحدق فيها في العقارب نمنحها الإذن لتقضم جزءاً من حريتنا وعفويتنا؟ وإذا كان التخلي عن الساعة يحيي الوقت فكم من أوقاتنا قد ماتت بالفعل ونحن نركض خلف المواعيد؟
#مجتمع
#المعرفة
#تساؤل

22