ـــ سيرة التسامح ـــ
أَحْتَاجُ قَامُوسَ أَنْوَارٍ لأُبْدِعَها
قَصِيْدَةً تَغْزِلُ الأشْواقُ مَطْلَعَها
أَحْتَاجُ قَبْضَةَ كَفٍّ كُلَّما انْتَصَبَتْ
بَوّابَةُ الحَرْفِ قُدّاميْ لأَقْرَعَها
وغَيْمَةً مِنْ تَآويلٍ، حُقُولَ رُؤىً
فَيْحاءَ، واسِعَةَ الرُّؤيا لأَزْرَعَها
قَصِيْدةً كامْتِدَادِ البَحْرِ تَحْمِلُنيْ
إلَيْكَ، قافِيَةً لا زِلْتَ مُولَعَها
يا رافِعًا ليَقينِ الماءِ أَشْرِعَةً
وَمُبْحِرًا في مَرايا، الغَيْبُ أَتْرَعَها
وعابِرًا مِنْ ضُلوعِ الرَّمْلِ مُنْغَمِسًا
في الرُّوحِ، مُمْتَطِيًا مَعْناكَ أَضْلُعَها
جَوَارِحي صَلَوَاتٌ، والرُّؤى شَجَرٌ
تُهْدِيكَ مِنْ ثَمَرِ الأَنْفاسِ أَيْنَعَها
أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلوبٍ أَصْبَحَتْ جَسَدًا
وكُلُّ حاقدَةٍ خَيَّبْتَ مَطْمَعَها
تَصْطَفُّ حَوْلَكَ أَرْوَاحٌ مُمَزَّقَةٌ
كَأَنَّما صِرْتَ بالتَّقْوى مُرَقِّعَها
كَأَنَّما الكَوْنُ لمْ يَعْرِفْ نَبِيَّ هُدًى
إلّاكَ مُنْذُ احْتَضَنْتَ الآيَ أَجْمَعَها
بِالرِّفْقِ رَكَّبْتَ أَحْجَارَ التَّآلُفِ فيْ
جِدَارِ أُمَّتِنَا كَيْ لا تُرَوِّعَها
مُذْ كانَ قَوْمٌ، على قَوْمٍ، يُهَدِّدُهُمْ
ضِيْقُ القَبائِلِ، حَتّى صِرْتَ مُوْسِعَها
صَنَعْتَ مِنْ كُلِّ طِيْنٍ وَجْهَهَا فَبَدَتْ
وقدْ كَسَاها السَّنَا حُبًّا، ولَمَّعَها
تَبْنيْ الجُسورَ على جُرْحِ الزَّمَانِ، ولَمْ
تُسِلْ دِمَاءَ خِلافَاتٍ لتُخْضِعَها
جَعَلْتَ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْبِ اللطِيفِ يَدًا
تَضُمُّ مَنْ خَافَ في دُنياهُ مَضْجَعَها
حتَّى اليَهُوديَّ إِذْ جَاوَرْتَهُ زمَنًا
تَشَرَّبَ السِّيْرَةَ الحُسْنَى، وأُكْرِعَها
وحِينَ شَبَّتْ على الأَحْقادِ أُنْمُلَةٌ
مَدَدْتَ بالصَّفْحِ أُخْرَى كَيْ تُطَوِّعَها
سَقَيْتَها مِنْ مَعيْنِ العَدْلِ فانْبَثَقَتْ
لأَنَّ وَحْيَ الإخَاءِ البِكْرِ رَعْرَعَها
آخَيْتَ بَيْنَ النُّفوسِ التائِهاتِ، ولَمْ
تَسْأَلْ مَنَابِتَها الأُوْلى، ومَنْبَعَها
كَمْ في الحَيَاةِ دُرُوسٌ للتَّعَايُشِ كَمْ
لكِنَّ "سَلْمَانُ مِنَّا" كَانَ أَنْصَعَهَا
كَأَنَّما الآنَ فينا، كُلُّ زاوِيَةٍ
صَوْتُ التّسَامُحِ مِنْ رُؤْيَاكَ أَسْمَعَها
فَكُنْتَ رَحْمَتَنا الكُبْرى، ومَأْمَنَنا
إذا تَشَرْذَمَتِ الأرْواحُ، جَمَّعَها
تَهْفُوْ القُلوبُ إلى ذِكْراكَ مُشْبَعَةً
لأَنَّ ثَدْيًا مِنَ الإخْلاصِ أرْضَعَها
وفي خُطَاكَ سَعَى التَّاريخُ مُنْتَشِيًا
يَبْنيْ عليها مِنَ الأمْجادِ أَرْوَعَها
عَلَّمْتَنا أنْ يَكُونَ النَّاسُ سارِيَةً
لا تَسْتَطِيْعُ رياحٌ أَنْ تُزَعْزِعَها
أَنْ نُطْعِمَ الرُّوحَ حُبًّا دُونَما ثَمَنٍ
وأنْ نَخِيْطَ بقُطْنِ الوَصْلِ بُرْقُعَها
وأنَّ كُلَّ يَدٍ بَيْضاءَ لَوْ هَطَلَتْ
ما عاشَ جارٌ مَرَاراتٍ تَجَرَّعَها
**ـ**
يا سَيِّدي، هٰذِهِ الأرواحُ مُتْعَبَةٌ
خارتْ، ولا طاقَةٌ تُرْجَى لتَرْفَعَها
وها هُنَا أُمَّةٌ، مِنْ بَعْدِ ما انْطَفَأَتْ
تَرْجوْ شُعاعَكَ -طَهَ- كَيْ يُشَعْشِعَها
فامْنَحْ لخَطْوِكَ في أرْواحِنا أَثَرًا،
كَيْ يَسْتَفِيْقَ الَّذي باليَأْسِ أَقْنَعَها
...........................


