
مقال دقيقتان للقراءة
نحتُ الذاتْ
الإنسان لا يُولد بماهية ناجزة، بل يصنعُ حريته وكيانه بمطرقة الوعي والمُكابدة، فنحتُ الذات ملحمة أبدية يتحول فيها الألم إلىٰ فن والعدم إلىٰ وجود أصيل/___
تتجلىٰ في هذه اللحظة الوجودية الكبرىٰ صورة الإنسان وهو يُعيدُ خلق ذاته مِنْ قلب الصخر الأصم لتنصهر الإرادة الواعية مع قسوة المادة في ملحمة صيرورةٍ أبدية لا تعرف الإستسلام فالوجود البشري ليسَ مُعطىٰ جاهزاً بل هو نحتٌ مستمر يتطلب كسر زيف القيود وتقشير ترسبات الغفلة والجهل وسط طبيعة كونية شاسعة تتسع لتحديات الروح وكل ضربة مطرقة توجّهها الإرادة نحو جلاميد الضعف البشري هي إعلان صارخ عَنْ التمرد علىٰ القوالب الجاهزة وإنتزاع للماهية الأصيلة مِنْ بينَ أطباق العدم والمكابدة هكذا يتحول المرء تدريجياً وبصبر نافذ إلىٰ فنان وجودي يعتلي صخرة روحه ليقتطع منها شوائب الإستلاب ويصوغ بدموع الجهد وعرق الإصرار تمثال حريته الخالدد الذي يواجه به صقيع العالم وعشوائية الأقدار في مسيرة إرتقاء لا تنتهي إلا بإنتهاء نبض الحياة نفسها؛ فصيرورة الوجود ونحتُ الذات هي رحلة الإنسان بينَ مطرقة الحرية وسندان الصخرة الأصيلة مُقدمة في ماهية الوجود البشري فلا يُولد الإنسان بماهية جاهزة أو هوية مُكتملة، بل يجد نفسه مُلقىٰ في هذا الوجود ككتلة خام مِنْ الإمكانات غير المتبلورة. مِنْ هنا تبدأ الرحلة الوجودية الكبرى؛ رحلة لا تقف عند حدود التلقي السلبي للحياة، بل ترتقي لتكون فعلاً إبداعياً مُستمراً. إن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يمتلك القدرة والمسؤولية معاً ليُعيدّ خلق نفسه مِنْ جديد، مُستخدماً إرادته الواعية كأداة حفر وسط جلاميد الواقع المُترسبة. فالتمرد علىٰ القوالب الجاهزة ما هو إلاَّ عملية نحت للذات وهي في جوهرها ثورة فلسفية ضد الجمود والإتباع. فالقوالب الجاهزة التي يفرضها المجتمع والتاريخ علىٰ الفرد ليستْ سوىٰ غطاء صخري يغلف الجوهر الأصيل للروح. ولكي يتحقق الوجود الحق، لا بد للإرادة أن تشهر مطرقة الوعي بوجه تلك القيود المفروضة. فهذا التمرد الواعي لا يستهدف تدمير الكان، بل يستهدف تقشير القشور الزائفة وإزالة الشوائب التي عَلِّقت بالنفس، لكي يبرز الكائن الحقيقي في صفائه ونقائه الأول. فمطارق الألم والمكابدة لا تتم عملية تشكيلها الذاتي في بيئة مُخملية، بل تُبنى في قلب المكابدة والألم. كل ضربة توجّهها الإرادة نحو صخرة الضعف البشري تترك أثراً، وكل قطعة تُقتطع مِنْ جلاميد الغفلة والجهل تكلف الروح جُهداً مُضاعفاً. غير أن هذا الألم ليسَ هدفاً بذاته، بل هو الثمن الحتمي للتحرر. فالإحتكاك المُستمر بينَ صخرة المُمكن ومطرقة الإرادة هو الذي يمنح الإنسان صلابته وعمقه الفلسفي، مُحولاً إياه مِنْ كائن مُنقاد لقدره الأعمىٰ إلىٰ فنان حقيقي يقف بحذاء روحه ليُبدع أثر الخلود الخاص به/__ نحو الإكتمال الأبدي ففي نهاية المطاف، لا توجد محطة نهائية يبلغ فيها الإنسان تمامهُ المطلق؛ فنحتُ الذات هو صيرورة أبدية تمتد بإمتداد الوجود نفسه. فالجمال لا يكمنُ في التمثال المُكتمل فحسب، بل يكمنُ في ديمومة الطرق، وفي إستمرارية اليقظة وسط عالم بارد وأصمْ. هكذا يثبت الإنسان، عبر مطرقة إرادته، أن الوجود البشري ليسَ صدفة عابرة، بل هو ملحمة مُستمرة لصنع المعنىٰ وتأصيل الحرية في وجه العدم./__
#إيالاڤيا #مجتمع #لاڤينيا_عيسىٰ
