الهرمنيوطيقا بين الأنا والآخر: غُربة المعنى وسجن التأويل
فكرة التأويل هي فكرة ضاربة في عمق الفلسفة الإنسانية والأدب وأزمة معرفية ونفسية يعيشها الإنسان مع الآخرين
في الفلسفة وتحديدا في "الهرمنيوطيقا" علم التأويل وظواهرية الوعي هناك قاعدة تقول إن الإنسان لا يستقبل العالم الخارجي كما هو بل يقوم بتصفية كل ما يراه ويسمعه بناءً على خلفيته الثقافية والنفسية ومخاوفه وعقده الشخصية وعلى توقعاته المسبقة!
من الناحية النفسية الفهم الحقيقي لأي إنسان يتطلب مجهودا ذهنيا وعاطفيا كالتعاطف و الإنصات و التجرد من الأحكام المسبقة هذا الفهم يتطلب أن يخرج الآخر من "أناه" ليدخل إلى عالمك
فبدلا من بذل هذا الجهد يستسهل العقل البشري التأويل فإذا تأخرت مثلا في الرد لا يؤولون ذلك بظروفك لأن الفهم عندهم متعب بل يؤولونه بإهمالك أو ترفعك لأن هذا التفسير يغذي رغبتهم في وضع الأمور في صناديق جاهزة
هذه الفكرة تصب في قلب الوجود الإنسان كائن وحيد يملك لغة قاصرة عن نقل عمق مشاعره وحقيقته
عندما يفشل الآخرون في بذل الجهد لفهمك فإنهم يحولونك من إنسان حقيقي إلى شخصية متخيلة في روايتهم الخاصة.
الصدمة هنا ليست في أنهم يجهلونك الصدمة أنهم يعتقدون أنهم يعرفونك ويمضون طول العمر يتعاملون مع تلك النسخة المزيفة التي صنعوها لك في مخيلتهم
وإذا أردنا الهبوط إلى أعمق طبقات هذه الفكرة فإننا نغادر مساحة العتب العاطفي البسيط لنصل إلى منطقة الصراع المعرفي والوجودي بين الأنا و الآخر
لنلمس عصب إشكالية فلسفية معقدة فهل يمكن لإنسان أن يفهم إنساناً آخر حقا أم أننا محكومون بالعيش في جُزر معزولة من التأويلات؟
هناك مفهوم مرعب يسمى نظرة الآخر !
هذا الآخر حين ينظر إليك فإنه ينزع عنك حريتك وتحولك نظرتُه من ذات حرة متدفقة ومتغيرة إلى شيء ثابت ومحدد بحكمه عليك
لأن الفهم يقتضي الاعتراف بأنك كائن حر ومعقد ومتغير ولا يمكن التنبؤ به لذا قاموا بتنميطك وتشييئك ووضعوك في قالب صلب مثلا أنت الغامض أو المتكبر أو الضعيف
هذا القالب يريحهم لأنهم يظنون أنهم امتلكوا حقيقتك بينما هم في الواقع تعاملوا مع صنم صنعوه لك في مخيلتهم
في النقد الأدبي الحديث وتحديدا عند رولان بارت هناك نظرية شهيرة تُدعى "موت المؤلف" تفترض النظرية أنه بمجرد أن يكتب المؤلف نصا وينشره يموت هو وتبدأ حياة النص عبر تأويلات القراء
هذا القارئ هو من يمنح النص معناه وليس الكاتب وإذا أسقطنا هذا على الحياة فأنت هو المؤلف وتصرفاتك وحضورك في الحياة هي النص
المأساة ها هنا..!
هي أن من حولك أعلنوا موتك كإنسان وكمؤلف لأفعالك واستباحوا تصرفاتك كنص خاضع للقراءة والتأويل !
هم لا يسألونك ماذا تقصد؟
بل يقرأونك بناءً على معجمهم النفسي الخاص إنهم يمارسون عليك سلطة القارئ الذي يعيد تشكيلك كما يحب ويهوى !
حتى في علم النفس الاجتماعي هناك ظاهرة تُعرف بـ انحياز البصيرة غير المتماثلة وهي نزعة معرفية تجعل الإنسان يعتقد عميقا بأنه يفهم الآخرين أكثر مما يفهمونه هم وأنه يرى حقيقتهم وراء القناع بينما يرى نفسه عصيا على الفهم
هذا الانحياز هو ما يجعلهم يعيشونك طول العمر تأويلاً هذا اليقين الزائف عندهم هو الأخطر لأنه يغلق باب الحوار
فالإنسان لا يبحث عن إجابة لسؤال يظن أنه يملك إجابته ومفتاحه
أنت تعيش معهم جسدا وحضورا لكنهم يعيشون مع شبحك المعرفي الذي صاغوه من ظنونهم وتفسيراتهم !
أنت لست شريكا في علاقتك بهم بل أنت موضوع دراسة وتخمين مستمر في عقولهم
هذا العمق يأخذنا إلى سؤال جوهري في مواجهة هذا العزل المعرفي هل الحل هو الاستمرار في تبرير وشرح أنفسنا للآخرين في محاولة لكسر التأويل أم الانسحاب الكامل وقبول العزلة كحماية لحقيقتنا من التشويه؟
#مجتمع
#وعي
#فلسفة
21