شيء لا يلاحظة أحد
شيءٌ لا يلاحظه أحد
فلسفة الالتفات للكاتب والشاعر
صالح إدريس.
جميع الحقوق محفوظة ٢٠٢٦©
الخيطُ المتدلّي من حاشية القميص،
جرحٌ صغيرٌ في نسيجٍ لا يشكو،
نهمله سنواتٍ،
وهو يطولُ بصمتٍ
كالاعترافِ المؤجَّل.
في الجدار حفرةٌ صغيرة
حيث كان المسمار،
عينٌ لا تغمض،
تحفظُ شكلَ ما كان معلّقاً
ولا تخبرُ أحداً.
في قاع علبة البسكويت
فتاتٌ أخير،
آخرُ ما يُنسى،
وأولُ ما يروي حكايةً كاملة
عن جوعٍ صغير.
على الطاولة،
بقعةٌ دائريةٌ رطبة
تركها كوبٌ بارد،
تتقلّص ببطء
كعينٍ تدمعُ من الداخل،
أو ساعةٍ شمسيةٍ صغيرة
تقيسُ الوقتَ بالتبخّر،
لا بالساعات.
على حافة الصينية
توقّفت نملةٌ ودعسوقة،
تنظرانِ إلى قاع الفنجان.
قالت النملة: «جبلٌ من البُنّ».
قالت الدعسوقة: «بل وجهٌ لم يكتمل».
ثم انزلقت نقطةُ قهوةٍ،
فمسحت الوادي،
ومحت الوجه.
فصاحت النملة: «اللوحةُ تتبخّر!»
وقالت الدعسوقة: «بل الرسّامُ يمحو أثرَه
قبل أن نفهم».
وهربتا تحت الصينية،
وتركا الفنجانَ يلوّح وحدَه
في الهواء.
وفي زاوية الغرفة
جدارٌ قديمٌ تقشّر طلاؤه،
ومن التقشّرات
خريطةٌ لا يعرفها أحد:
قارةٌ بيضاءُ صغيرة،
نهرٌ من الجبس،
وبحرٌ من طلاءٍ باهت
توقّفَ عند حدّ السقف.
يقفُ المستأجرُ أمامه،
يداه في جيبيه،
لا يملكُ ثمنَ الطلاء الجديد،
فيتأمّلُ اللوحةَ
كما يقفُ في متحفٍ
لا يدفعُ تذكرةَ دخوله.
مدّ إصبعه،
لم يلمس الجدار،
خافَ أن يمحوَ اللوحة،
أو أن يفتحَ باباً
إلى غرفةٍ لا يملكُ إيجارها.
ثم أطفأ الضوء،
فاختفى المتحف،
وبقيَ الجدارُ
يُعلّقُ لوحتَه
في العتمة،
لنفسه.
امرأةٌ عجوزٌ تنسجُ كنزةً من الصوف،
وفي زاوية الغرفة عنكبوتٌ يسكنُ معها.
انتهت كُبّةُ الصوف،
فتوقّفت الأسياخ،
وبقيتِ الكنزةُ حفنةً بلا ذراع.
رفعت رأسها،
فوجدت العنكبوتَ يتدلّى من السقف،
خيطٌ رفيعٌ يلمع في العتمة،
يمدُّ طرفَه نحوها كأنه يقول: «خذي».
فأكملتِ الكنزةَ
بخيطٍ ليس من صوف،
لكنه أدفأ.
مساءٌ، ونافذةٌ تحتاج تنظيفاً،
قطعةُ جريدةٍ قديمة
بين اليد والماء،
تُمسحُ الزجاجةُ دائريةً،
فتظهرُ الدنيا أوضح،
وفجأة
يستوقفُني خبرٌ في الجريدة:
اسمٌ أعرفه،
أو مدينةٌ زرتها مرة —
فتتجمدُ يدي على الزجاج،
والخبرُ يبتلُّ بين أصابعي،
ويذوبُ الحبرُ على النافذة،
وأسأل:
كم من الأخبارِ مرّت على زجاجٍ
ونحن ننظّفه
ولا نقرأ؟
