«فقه الاولويات»
من أسمى المنح الربانية وأجلّ مواهب البصيرة التي يظفر بها الإنسان، أن يُرزق ميزاناً داخلياً دقيقاً؛ عيناً واعية تفرّق بين وميض العابر الزائل، وجوهر الدائم المقيم، وشجاعة عاقلة تمنح كل شأن قدره العادل من الرعاية، والاهتمام، وسكب العمر.
إن التيه الروحي والشتات النفسي الذي يكابده إنسان اليوم لا ينبع في الغالب من قلة السعي، بل من سوء توجيه البوصلة؛ حين يُستنزف رصيد الروح، وتُهدر ساعات الأيام في ملاحقة تفاصيل ثانوية لا تترك أثراً، بينما تُترك الركائز الكبرى التي يُبنى عليها مآل المرء ونجاته ومستقبل وجوده معلقةً في طابور التأجيل والتسويف.
ليست الخطيئة في التبسّط والاستمتاع بمباهج الدنيا المؤقتة ولحظاتها العابرة؛ فالنفس تأنس وتستريح، بل المأزق الحقيقي يكمن في استيطان المحطة وحسبانها وطناً نهائياً، وفي الانغماس في وسيلة السفر حتى ننسى الغاية الكبرى من الرحلة. المشكلة تبدأ حين نعيش للظل الزائل كأنه الخلود، ونهب اللحظة المؤقتة ما لا يستحقه إلا الباقي الأبدي، فنرهن الأعمق قيمة والأبقى أثراً في سبيل ما يتلاشى بمجرد انقضاء ساعته.
إن النضج لا يعني مقاطعة الحياة، بل وضع الأشياء في نصابها الصحيح: أن نمرّ بالمؤقت بخفة واستحقاق، ونغرس أقدامنا في الدائم بوعي ورسوخ.
#معرفة
#مجتمع
@المتابعون

35