مكتب المفقودات التي لم نفقدها قط تجربة أولى في الكتابة السريالية
استيقظتُ قبل أن أنام.
كانت الساعة معلّقة على الجدار وعقرب الدقائق يشير إلى باب غرفتي فيما ظلَّ عقرب الساعات يدور حول رقمٍ غير موجود.
على الطاولة كوب ماءٍ لم ينقص منذ ثلاثة أيام ومع ذلك كان قعره يتشقق كأن العطش قد نال منه.
وجدتُ ظلي جالسا قبالتي، يرتدي معطفي القديم، ويقلّب صورا لم أتذكر أنني احتفظت بها.
رفع صورة لطفلٍ يحمل حجرا أكبر من قبضته، وقال:
— تأخرتَ كثيرا.
سألته:
— عن ماذا؟
أعاد الصورة إلى الطاولة، وقال:
— عن نفسك.
مددتُ يدي لألتقط الصورة لكنه وضع كفّه عليها.
— هذه لم تعد تخصك.
لم أفهم قصده لكنني لم أجادله.
نهضتُ وخرجتُ من الغرفة، تاركا له معطفي وصوري والرقم الذي لم تجده الساعة.
في آخر الشارع كان هناك مبنى لم أره من قبل.
تعلو بابه لافتة كُتب عليها:
مكتب المفقودات التي لم نفقدها قط.
دخلتُ.
خلف مكتبٍ مصنوع من رسائل لم تُرسل، جلست امرأة لا يبدو أنها كبرت أو صغرت منذ زمن طويل.
رفعت عينيها إليّ وسألت:
— ماذا فقدت؟
قلت:
— لا أعرف. لهذا جئت.
أخرجت دفترا سميكا، وبدأت تقلّب صفحاته.
— متى كانت آخر مرة شعرتَ فيها أنك تعرف نفسك؟
حاولتُ التذكر.
تذكرتُ وجوها كثيرة،...
وأماكن غادرتها...
ووعودا قطعتها ثم نسيت لمن قطعتها.
أما نفسي، فلم أجد لها تاريخا واضحا.
قالت المرأة:
— هذا يحدث كثيرا.
يأتي الناس إلينا بعدما يفتقدون شيئا، ثم يكتشفون أنهم لا يعرفون متى كان معهم أصلا.
أشارت إلى صندوق صغير تحت المكتب.
— أظن أن هذا لك.
فتحته... فوجدتُ قلبا ملفوفا بقطعة قماش بيضاء.
كان دافئا وعلى سطحه أثر جرح قديم.
عرفته.
كان قلبي الذي تركته يوم قلتُ إن الأمر لا يستحق الحزن.
أغلقتُ الصندوق.
سألتها:
— هل يمكنني استعادته؟
قالت:
— يمكنك أن تستعيد ما تعرف أنك فقدته. أما ما نسيت أنك تركته فالأمر أصعب.
قبل أن أسألها عن معنى كلامهاوسمعتُ صوت طفل يأتي من باب صغير في الجدار.
كان الطفل يجلس على الأرض، ويبني بيتا من مكعبات خشبية.
لم يرفع رأسه حين دخلتُ وإنما قال:
— أمسك هذا الجدار حتى لا يسقط.
جلستُ بجواره وأمسكتُ المكعب الذي أشار إليه.
سألته:
— هل تعرفني؟
قال وهو يضع مكعبا فوق آخر:
— أنت الذي جئتَ متأخرا.
نظرتُ إلى وجهه.
كان مألوفا على نحوٍ أزعجني، كأنني رأيته في مرآةٍ قديمة لم أعد أملكها.
قلت:
— ماذا تبني؟
— بيتا.
— ولمن؟
توقف قليلا ثم قال:
— لمن سيعود.
أردتُ أن أسأله عن الشخص الذي ينتظره، لكنه رفع رأسه ونظر إليّ.
— هل تتعلم عندما تكبر كيف تعرف الأشياء... أم تتعلم كيف تتظاهر بأنك تعرفها؟
لم أجد جوابا.
مددتُ يدي إلى المكعبات، وبدأتُ أساعده في البناء.
بنيتُ الجدار كما أراد ثم وضعتُ النافذة في مكانها.
وحين انتهينا، أشار إلى الباب وقال:
— ادخل.
كان البيت صغيرا... لكن الغرفة التي وراء بابه كانت غرفتي القديمة.
النافذة نفسها، والطاولة نفسها، والساعة التي تدور حول رقمٍ غير موجود.
وفي وسط الغرفة، كان ظلي يجلس مرتديا معطفي.
التفتُّ إلى الطفل فلم أجده.
عدتُ إلى مكتب المرأة، فوجدتها واقفة عند الباب، كأنها كانت تنتظرني.
قلتُ:
— وجدتُ البيت.
قالت:
— البيوت لا تضيع. نحن الذين ننسى الطريق إليها.
ثم ناولتني مفتاحا صدئا.
— هذا وصل مع الحجر.
نظرتُ إلى يدي، فوجدتُ الحجر الذي كان في صورة الطفل، أثقل مما أتذكر، وأبرد مما ينبغي.
سألتها:
— من أحضره؟
قالت:
— أنت.
لم أسألها كيف. لم أعد أثق بالأسئلة التي تأتي متأخرة.
خرجتُ إلى الشارع.
كان المطر يهطل، والسيارات تمرّ، والناس ينظرون إلى ساعاتهم وهم يعبرون الطريق.
رأيتُ ظلي واقفا عند الرصيف المقابل، يرتدي معطفي القديم.
لم ينادني.
ولم أتبعْه.
عدتُ إلى غرفتي، ووضعتُ الحجر والمفتاح على الطاولة.
كان الكوب لا يزال هناك، وقعره يتشقق بصمت.
أدخلتُ يدي في جيبي، فوجدتُ ورقة صغيرة لم تكن معي حين خرجت.
كان عليها سطر واحد، مكتوب بخط الطفل:
لا تُكمل البيت الذي لا تعرف لماذا بنيتَه.
أطفأتُ المصباح... وجلستُ في الظلام.
وبعد قليل، سمعتُ صوت مطرقة صغيرة يأتي من داخل الجدار، يتبعه صوت مكعبٍ يسقط على الأرض.
ثم بدأ أحدهم يبني.
#غواص_المعاني
أغوص في بحر القراءة... لأعود بدرة.💎
#مجتمع #مجتمع_القراء #قارئ #أدب
@المتابعون

57