#أمل -قصة قصيرة
أُخفـِتت الأضواءُ، وعَمَّ السكونُ؛ بدأت شاشة العرض بثَّ الفيلم، وهي شاردةٌ تتذكرُ تلك الرسالةَ.
------
في ليلةٍ شديدةِ البرودةِ، يلتهب جسدُها بالحرارة، متدثرةً بغطاءٍ ثقيلٍ، بالكاد تستطيع القيامَ من فراش المرض.
عيناها تجولان في جدرانِ البيتِ كمن يستجدي من يأتي ليؤنسَه.
تذكرتْ أيامَ شبابِها في حياةِ والدِها، عندما كان البيتُ يكتظُّ بإخوتِها وأبنائِهم، وكيف كانت تُدللُ من والدِها.
تبسمت بمرارة، عندما مرت بذاكرتها مشاهد استغلالها لحب والدها، في إلصاق التهم بزوجات إخوتها، فقط لإظهار سيطرتها.
تمسح بيدها دمعة فرَّت من عينيها، كأنها ترثي تغير حالها، وانهمرت دموعها أكثر، لما أدركتْ أنه لم يتقدمْ أحدٌ لخطبتِها طوالَ هذا العمرِ!
واضعة كفها على جبينها تُحدث نفسَها قائلةً: "من الذي سيتزوجُ بفتاة ممتلئة الجسد، لا مال لها يُغري، وأهلها...."
قطعَ شجونها صوتُ طرقِ الباب.
حاولتِ النهوضَ من فراشِها، وهي تقاوم مرضها.
وتساءلتْ أملُ عبد الجواد: "من الذي قد يكونُ تذكرَها في هذا الوقتِ؟"
استجمعتْ قوتَها ونهضت تستندُ للجدرانِ، حتى فتحتِ البابَ.
بعد سلام وعناق جلستا على الأرضِ، وثبتت الضيفة جهازُ التسجيل بعناية لتوثِق كل حرف.
صمتتْ هنيهة، ثم قالتْ بصوتٍ خافتٍ: "أتدريـن؟ آخرُ مرةٍ زارني فيها أخي كانت من أجلِ الميراثِ. جلسَ ساعةً كاملةً يحسبُ الأنصبةَ على ورقة، ولما انتهى، انصرفَ دونَ أن تتصافح يدانا".
تجرعتْ رشفةَ ماءٍ وتابعتْ: "ونساءُ الحيِّ إذا رأينني تهامسنَ: هذه التي لم يردْها أحدٌ. وأطفالُ الشارعِ يسخرون من سِمنَّتي".
اغرورقتْ عيناها بالدمع والعبرات تخنق صوتها: "أنا أخافُ كلَّ يومٍ... أخافُ أن أموتَ ولا يدري بي أحدٌ. أن يُطرق الباب ولا أحد يجيب".
قاطعتها بعينان لامعان بغير دمع: "لن تموتي وحيدة، أعدكِ سيعيش اسمك."
وعانقتْها وهي تنظر إلى العدسة، همست: "سأكتب عنكِ، والعالم سيقرأك".
وقبل الرحيلِ طلبتْ منها أن تُنهيَ روايتَها، وستتكفلُ بنشرِها باسمها.
وبضحكة قالت: "أخيرا... مادة خام حقيقية، سيكون عمل عظيم"
أغلقت التسجيل، ونظرت للسقف، تنهدت ثم ابتسمت.
بصيص الأمل تسلل لقلبها؛ كيف لا وصديقتها الإلكترونية، الكاتبة الشهيرة "أمل نوفل" أيقظت حلمها من جديد!.
وضعت يدها على قلبها، فما كتبته سيرى النور، ويبقى أثرًا خالدًا.
أغلقت بابها، وظلت تنتظرها تُزيح ثقل الأيام.
وفي أمسية مكفهرة، ساقت "الكاتبة" سيارتَها، إلى ذلك البيتِ المتهالكِ في تلك القريةِ النائيةِ، لتزور بطلةَ قصتها الحقيقية.
طرقت الباب مرات دون استجابة...
أخبرَها أحدُ الجيرانِ أن أمل، وُجدت مُتوفاة، قبل أيام قليلة.
لم تتمالك أعصابَها، ولم تستطعْ كبحَ دموعِها، واتجهتْ مسرعة نحوَ سيارتِها تَهُمُّ بالمغادرةِ.
أوقفَها الجارُ، وأحضرَ صندوقًا ورقيًا، مخبرا إياها، أنه وصية أمل الأخيرة.
لم يمضِ الليلَ حتى قرأُت ما في الصندوقِ، منبهرة من موهبتها وسردها الماتع.
وآخر ما كان به ظرفٌ، يُغلف رسالةٌ تُذكرها بوعدها.
قرأتها وتوقفت ترمقها لثوانِ؛ ثم أسندتها على رف جوائزها.
حولتْ ما في الأوراقِ إلى نسخةٍ إلكترونيةٍ، وبعد أيام تعاقدت على نشرها.
بريق الفرح لمع في عينيها؛ فقد تصدرت الرواية صفحات المجلات، وتهافتت عليها شركات الإنتاج السينمائي.
تسلمت جائزة المهرجان، وعدة جوائز أخرى، وعادت بعد إنتهاء الحفل؛ ركنت في زاوية غرفتها، تشاهد مقابلتها مع إحدى القنوات؛ وهي تُحرقُ رسالة أمل عبد الجواد.
------
تمت.
#أبوـرحيم

2