بين بلاغة النص و غربة العنوان
سامحوني قليلاً، فأنا من أولئك الذين يفتشون عن حبة الرمل في الشاطئ، ثم يجلسون ساعات يتأملونها وكأنها قضية أمة.
ولا أدري أحيانا ، هل ينبغي أن أنتقد ما أراه في المنصة، أم ألتزم الصمت وأبحر بين لآلئ المجتمع، متغاضيا عن أمور قد يراها غيري توافه لا تستحق الوقوف عندها ؟
لكن لا بأس
فلنتحدث
فربما وجدنا من يوافقنا الرأي، وربما وجدنا من يهاجمنا، وفي كلتا الحالتين سنكسب شيئا جميلا
سنكتب
منصة "مجتمع" في نظري واحدة من أجمل المساحات العربية التي منحت الكلمة حقها، وفتحت الأبواب للأقلام كي تتحدث بلغتها، وتزهر بحروفها، وتستعرض ما تملكه العربية من سعة وبلاغة وجمال.
غير أن هناك ظاهرة صغيرة تستوقفني كلما تجولت بين الحسابات.
أدخل إلى ملف الكاتب، فأجد مقاله عربيا، وقصيدته عربية، وتعليقه عربيا، وأحيانا حتى صورة الغلاف مكتوب عليها كلام عربي... ثم أرفع بصري إلى اسم الحساب فأجده
باللغة الإنجليزية
فأشعر للحظة أنني أخطأت المنصة ودخلت إلى مطار دولي بالصدفة
والسؤال البريء الذي يراودني
ما الذي حدث للاسم العربي المسكين؟
هل دخل في إجازة غير مدفوعة الأجر؟
أم أنه تعرض لإقصاء لغوي لا نعرف أسبابه؟
قد يقول قائل
وما شأنك أنت؟
الاسم مجرد وسيلة للتعريف، سواء كتب بالعربية أو الإنجليزية
وأقول له
صدقت، ولا أختلف معك
لكن المدهش أن بعض الناس يتعامل مع الاسم الإنجليزي وكأنه وسام أكاديمي معلق على الصدر، أو شهادة تفوق وصلت قبل موعدها. وكأن الحروف الانجليزية تمتلك قدرات سحرية تجعل صاحبها أكثر ثقافة أو أكثر عمقا.
والحقيقة
أن اللغة لا تمنح صاحبها قيمة تلقائيا، وإنما القيمة فيما يكتب لا في الحروف التي يوقع بها اسمه
فإن كان اختيار الاسم الإنجليزي مجرد ذوق شخصي، فهذا حق لا ينازع فيه أحد.
أما إن كان بدافع الهروب من العربية، فهنا تبدو المفارقة طريفة فعلا.
تكتب بالعربية، وتناقش بالعربية، وتحلم بالعربية، ثم تخفي اسمك خلف لافتة أجنبية كأنك عميل سري في رواية بوليسية!
بل إنني أملك اقتراحا بسيطا لأصحاب الأسماء الإنجليزية على المنصات الأدبية العربية
إذا كان الاسم باللغة الأجنبية، فلا تبخلوا علينا ببعض الإبداع بتلك اللغة أيضًا. دعونا نقرأ قصة أو مقالا أو خاطرة تكشف لنا ذلك العالم أيضا
أما أن يكون الاسم انجليزيا والمحتوى عربيا مئة بالمئة، فالأمر يشبه مطعما يضع لافتة إيطالية ضخمة، ثم يكتشف الزبائن في الداخل أن القائمة كلها أكلات عربية
وفي النهاية
هذه ليست معركة لغوية ولا دعوة للمصادرة أو الوصاية على أحد. هي مجرد خاطرة ساخرة من محب للعربية، يتساءل بحسن نية
إذا كنا نفتخر بلغتنا في النصوص والقصائد والمقالات، فلماذا يستحي بعضنا من تقديم نفسه بها ؟
وربما أكون مخطئا، وربما يكون الآخرون على صواب.
لكن كما قلت في البداية: في الاتفاق نكتب، وفي الاختلاف نكتب أكثر.
ملاحظة:
لا أقصد بهذا الطرح الانتقاص من أصحاب الأسماء الأجنبية أو من محتواهم، فلكل إنسان حريته في اختيار الاسم الذي يمثله، وأنا أقدر الجميع و أحترم اختياراتهم. إنما هي ملاحظة عابرة أثارت فضولي، أحببت أن أشاركها معكم بروح محبة للغة العربية، لا بروح الوصاية على أحد.
#مجتمع
#ثقافة
@المتابعون

42