إدراك متأخر
مؤخرا أدركت انه كلّما اتّسعت معرفتي ضاقت دائرة يقيني وصرتُ أكثر حذرًا في إطلاق الأحكام وأقلَّ رغبةً في الانتصار للآراء، أدركتُ أن الثقافة ليست حشدًا للمعلومات بل قدرةً على رؤية ما وراءها وأن الذكاء هو أن تلتقط المعنى أمّا الحكمة فهي أن تعرف كيف تستخدم ضعفك وتحوله لقوة
وتعلّمتُ مؤخرا أن بعض العقول خزائنُ معرفة وبعضها نوافذُ رؤية وأن أخطر أنواع الجهل هو ذلك الذي يستعير صوت الحقيقة ويرتدي ثياب اليقين وأن الإنسان لا يُقاس بما يقرأ فحسب بقدر ما يتغيّر فيه بعد القراءة ولا بما يقوله عن نفسه بل بما يتركه في الآخرين من أثر.
صرتُ أؤمن أن أجمل العقول هي التي توقظ فيك الأسئلة بكعس تلك التي تمنحك الإجابات وأن أعظم أشكال النضج أن تمتلك الشجاعة لمراجعة أفكارك والتواضع للاعتراف بجهلك والقدرة على التراجع حين يتبيّن لك أنك كنت مخطئًا فالحقائق لا تتبدّل لتوافق أهوائنا والحقيقة لا تحتاج تصويتًا يحسمها بكثرة الأصوات فكلُّ تعصّبٍ ليس سوى فكرة خائفة ترتدي درعًا أمّا الأدب فليس زينة الكلام
نعم نعم فهو رهافة النظر إلى الإنسان والقدرة على اكتشاف ما تخفيه الوجوه خلف أقنعتها وما يقوله الصمت حين تعجز اللغة، كما انني أدركتُ أن البلاغة والفصاحة يكمنان في ما يستحق أن يُقال.... وفي الطريق أيضا تعلّمتُ أن العزلة ليست غيابا عن الآخرين بقدرر ما هي غياب الحاجة إلى استرضائهم وأن بعض الخسارات استردادٌ متأخر للذات وأن الانتصار في كل معركة هزيمةٌ مؤجلة وأن الحكمة أحيانًا أن تعرف متى تنسحب دون أن تشرح انسحابك.
لم أعد أطمئن إلى عقلٍ لا يشكّ ولا إلى رأيٍ لا يحتمل المراجعة ولا إلى إنسانٍ يرى في اختلاف الآخرين تهديدًا لوجوده.
فالعقل الذي لا يرى تناقضاته لن يفهم العالم والمرء الذي يتخذ رأيه جزءًا من هويته سيخاصم الحقيقة كلما خالفته.
أنا ما زلتُ أقرأ لأتّسع لا لأتعالى وأصمت لأفهم لا لأبدو غامضًا وأتكلّم حين يكون للكلام معنى
لقد أصبحت رجلت كلما جهلتُ شخصًا تراجعت أحكامي السريعة بشأنه وكلما اقتربتُ منه وعرفته أكثر تراجعت أكثر وأكثر.
#إبراهيم_باشا
3