ميلاد الشكّ
في قريةٍ يخاف قاطنوها من رؤية الحزن، جلستُ على جذع الاطمئنان كما يجلس المرء في مكانٍ يعرفه جيدًا، وتركتُ مقلتيَّ تحلِّقان كما شاءا.
كنت أحدِّق في المارَّة، كانوا سعيدين؛ البشاشة لا تفارق وجوههم.
وفي هذا الأثناء، ومضَ شيءٌ ما من شطر حانوت ثم اختفى.
كان الحانوت يقع على بُعد مائةِ مترٍ من المنازل: يبدو وحيدًا، قديمًا، بابه عتيق ومهترئ.
لكنه فيه ما لا يدري أحد.
قادتني قدماي ودفعني الانجذاب فرأيتُ أنني أقف أمام بابه: ثمة نجمة لازوردية قُرب النافذة؛ تتلألأ وتتألق فتزيد حُسنًا وضِياءً، وهناك سعادة ترتدي حُلَّة زبرجدية، يفوح منها عبق الشذى، وحلمٌ جميلٌ ونسيان.
تملَّكتني الدهشة فرأيتُ أنه لا عيب في معرفةِ سِر تلك السعادة.
سألتُ الحانوتي: كم سعر تلك السعادة؟
أجاب: إنها رخيصة يا فتى، بعشر ذكرى جميلة.
اقتربت من السعادة فإذا بي ألمس -دون قصد- شكًّا خشنًا كان بقربها، تقهقرتُ قليلًا وسألتُ الحانوتي، لكنه فاجأني، حين قال أنَّ ذلك الشكّ الخشن أغلى ما في حانوته.
سألته: ما الذي جعله غاليًا؟
- يا فتى، هذا الشكّ المنهجي هو أول بابٍ إلى الوعي الإنساني، وكما قاله الغزالي: "فمن لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر، ومن لم يبصر بقي في العمى والضلال".
رفعتُ حاجبيَّ قائلًا: وماذا تقصد بقولك؟!
- المعرفة انبثقت من رحم الشكِّ، لو لم يشكّ الإنسان لما استطاع الوصول إلى المعرفة الحقيقية، مثلًا: لو لم تشكّ أنت في قولي وتسألني؛ لما أدركت أنه أغلى من السعادة، ولما تدرك أن المعرفة تنبع من الشكّ. لا تظن يومًا أن الشكَّ خطيئة في ساحة الإيمان.
قلتُ: وكم سعره إذًا؟
- سبعون لحظة فرح.
أخذ منّي كل الأفراح تقريبًا وترك لي الأتراح، بعدها حملتُ شكَّي وغادرت الحانوت.
وفي طريقي، لاحظتُ شيخًا أحدب يمشي بعصا، لا يظهر السرور في وجهه.
اقتربتُ منه وسألته إن كان سعيدًا بحاله هذا.
فأجابني: يا بني، السعادة وحدها لا توصلنا إلى غاياتنا الحقيقية فاحذر أن تشتريها.
لم أفهم ما يقصده، لكنني استجبت له وواصلت سيري إلى النُزُل.
دخلتُ الغرفة واستلقيت على السرير.
سؤالٌ غامض طاف حولي واستقر في ذهني بهدوء: لماذا حذّرني الشيخ من شراء السعادة؟
يبدو أنه مختلف عن أهل القرية.
وبالتالي أعتقد أنني لا أصدق وجودي بتاتًا... أعني بدأتُ أشكُّ في ما حدث معي اليوم.
وثم قلتُ بعد تفكيرٍ طويل: ولكن مهلا... كيف أشكّ إذا لم أكن موجودًا أصلًا؟
فإذا كان الشكّ والتفكير يتطلبان وجودًا مستقلًا، هذا يعني أنني موجود حقًا، لأنني استطعت أن أفكر.
@المتابعون
#مجتمع
#أدب
7