وليد
لم ألتقِ من قبل بنادل لطيف وودود مثل وليد. في كل صباح يكون أول من يبتسم لي؛ يحضر لي قهوتي وزجاجة المياه ومنفضة السجائر قبل الجميع، ثم يقف تلك الوقفة في انتظار زبون جديد.
في صباح اليوم زرته كالعادة. كان يقف بجسده النحيل، متكئًا بجانب اللافتة التعريفية بكافتيريا «ميلك بار» التاريخية، وسط العاصمة الجزائر. تقول اللافتة إن هذا المقهى كان مسرحًا لعملية نفذتها المقاومة الجزائرية يوم 30 سبتمبر 1956، في أوج معركة مدينة الجزائر.
وعلى جدار آخر صورة للمجاهدة زهرة ظريف، التي وضعت القنبلة كما رأيناها في تلك اللقطة الشهيرة من فيلم «معركة الجزائر»، على أنغام أغنية «هاستا ماينيانا (ريبيكا)» لفرقة «ذا شاكاشاس» البلجيكية.
قُتل في هذا التفجير شخصان وجُرح ستون آخرون. وبعد الاستقلال، قررت الحكومة الجزائرية تأميم هذه الكافتيريا التي كانت ملكًا لأحد الفرنسيين، والإبقاء على الاسم نفسه الذي اشتهرت به، حفاظًا على رمزيتها التاريخية.
وليد طالب جامعي يدرس الهندسة في الجامعة المركزية القريبة من هناك، ويعاني، مثل غيره من الطلاب، لتوفير مصاريفه الشهرية في ظل الأزمة الاقتصادية الصامتة. يعمل هنا بشكل شبه يومي منذ سنتين مقابل أجر زهيد، لا يمنحه مساحة كافية من الحرية للاستمتاع بهذه الفترة الذهبية من حياته، رغم أن هذه الكافتيريا تحقق مداخيل سنوية كبيرة بحكم موقعها كمزار سياحي في قلب العاصمة. ورغم أنها أيضًا من بقايا التراث الاشتراكي من الحقبة الثورية التي فجّرت المكان، ثم قررت تأميمه ليكون ملكًا للشعب.
وليد واحد من هذا الشعب، ويُفترض نظريًا أنه يملك سهمًا فيه، لكنه لا يملك شيئًا هنا. إنه يعمل لدى أحد المحظوظين الذين يملكون بطاقة «المجاهد»، التي تمنحهم دون غيرهم الحق في استئجار هذه الأماكن من الحكومة مقابل مبلغ رمزي في العادة، ثم تحقيق ثروة من ذلك بشراء حياة وليد، التي اضطر إلى بيع شطر منها حتى يستطيع الخروج في موعد جميل مع حبيبته. #مجتمع #الأدب_العربي #أدب @المتابعون

150